الجمعة، 3 مايو 2019

اللّغة فضيحة !



بقلم الدكتور/ بندر الغميز
عضو هيئة التّدريس - جامعة الملك سعود


اللغة فضيحة ...
لغتنا تنحاز للأصحاء وإن جمّلنا عباراتنا عند دعمهم ووصفناهم بالملهمين والأبطال

اللغة مصبوغة بثقافة متحدثيها، فهي المقياس لأنماط التفكير لدى المجتمع تجاه قضية معينة؛ ولذا يُقال: (لغة الناس مفتاحٌ لمعرفة ثقافتهم)، وهذا لا يعني أننا بتعلم لغتهم سنقرأ عن ثقافتهم بل ما تتضمنه لغتهم من عبارات ذات بُعد ثقافي واجتماعي، والأمثلة على ذلك كثيرة، والحديث عنها ذو شجون.
فمثلا:
-         (طويل العمر)
-         (رضي الله عنه)
-         (مرة عن ألف رجال)
-         (علي بالطلاق)
فهذه عبارات لو تُرجمت لما عكست البُعد الثقافي (وليس الدلالي) لما تتضمنه هذه العبارات، لكنّها في حقيقة الأمر، تُقدّمُ تصوّرًا ذهنيًّا لمكانة الأمير، ومقام الصحابي، ودور الرجل والمرأة في المجتمع العربيّ.
ومن جانبٍ آخر، هناك ما يُسمى بالعنصرية اللغوية: وهي ممارسة العنصرية من خلال تعبيراتنا اللغوية المستعملة في الواقع، وهي تعكس ترسبات ثقافية غير صحيحة حول قضيّة ما، وأحد أنواع هذه العنصرية ما يُعرف بـ  (العنصريّة ضدّ المرضى)، وتعنيّ: (تحيز اللغة للأصحّاء بدنيا وعنصريتها ضد المرضى) وملاحظة ذلك في مجتمعنا أمرٌ ظاهر.
ومن الأمثلة على ذلك:
-         (وش قالوا لك معاق مثلا)
-         (وش فيك أصقه أنت ما تفهم)
-         (وأنا ليش ما قلتوا لي ناقصني رجل وإلا يد)
-         (مريض أنت)
فشيوع مثل هذه التعبيرات توحي لك بأن طيفًا من المجتمع يظن أن (المعاق ناقص)، و(الأصقه لايفهم-  أي: الأصم)، و(المرض عيب)، والكلام ليس دعوةً إلى المثاليّة، وإنّما هو إشارةٌ إلى ما يمكن أن تتخيله من ردّة فعل أحدهم حين يقرأ أو يسمع مثل هذه العبارات، وهو يعرف في قرارة نفسه أنّه يعاني من تلك الأعراض التي استخدمت في التّعبير اللّغويّ!
ومن هنا، فإن تحليل الخطاب مجال يكشف الغطاء عن ثقافة المجتمع، ويتنبّأ بتحولاته وتأثير التغيرات الثّقافيّة والسياسية عليه، ولذلك؛ نجد أنّ  مستوى رضا الشعب عن القيادة، أوالعكس، هو مادّة تُدرّس في بعض الدول من خلال لغتهم في وسائل التّواصل الاجتماعيّ، وهي اللّغة التي يشيع فيها التّعبير الدّارج وتظهر فيها لغة الاستعمال بشكلٍ واسعٍ، وهو ما يمكن أن نعدّه ناتجًا من الشّعور بالخصوصيّة التي يمتلكها المرء لحسابه الشّخصيّ، بعيدًا عن أنظمة الخطاب المستخدمة في لغة الممارسة السّياسيّة أو الدّبلوماسيّة.
إنّ التّأثير الذي تمتكله الكلمة في سياقها الثّقافيّ الاجتماعيّ، يستدعي الحرص على انتقاء الألفاظ، تحقيقًا لمبدأ السّلم الاجتماعيّ القائم على التّسامح، وحسن الخلق، وتقدير الآخرين وإنزالهم منازلهم، حفاظًا على العقد الاجتماعيّ الذي يضمن سلامة التواصل بين الأفراد، وتعزيز قيم الإنسانيّة، وأمّا وجود تلك التّعبيرات اللّغويّة (العنصريّة) بحسب التّصنيف اللّسانيّ التّداوليّ لها، فما هو سوى وصفٍ لواقع ملموس، وسمةٍ تمتلكها اللّغة، وما على الإنسان إلا أن يختار، فيرتقي بأسلوبه، ويعتني بألفاظه، ابتعادًا عن إيذاء الآخرين، ولكي لا يكون موصوفًا في مجتمعه بأنّه (فضيحة)....!




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مدونة عُكاظ ©