مدونة عُكاظ مدونة عُكاظ
recent

أحدث المشاركات

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

الذكاء الاصطناعيّ - محاكاة لغويّة للعقل البشريّ


بقلم/ الدّكتور عبدالكريم عبدالقادر اعقيلان 
    هل لاحظت أثناء تصفحك لموقع إلكترونيّ ما أنّ الإعلانات التي تظهر في ثنايا الموقع قريبة في مضمونها من الموضوعات التي تهتم بمتابعتها عادة من خلال حاسوبك الشّخصيّ أو تطبيقات هاتفك الشّخصيّ؟ وفي المقابل، ألا تلاحظ أنّ استماعك لحوار أو مشاهدتك لصورة أو ممارستك لعمل، قد يذكّرك بكلام أو صورة أو عمل مشابهٍ مخزّن في ذاكرتك؟ 
    إنّ ما يجمع بين الملاحظتين السّابقتين أمران: الأوّل: الذّاكرة، والثّاني: التّحليل، بينما تختلف الأداة المستخدمة في كلا الملاحظتين، فالأولى تستند إلى التكنولوجيا، والثّانية تستند إلى العقل البشريّ، وهذا يعني أنّ التكنولوجيا تقوم بعمليّات تُحاكي من خلالها ما يقوم به العقل البشريّ، وهذه المحاكاة لا تقتصر على مجرّد التّذكّر أو تحليل البيانات، بل يُمكنها أن تتجاوز ذلك إلى محاكاة الإجراءات التي ينفّذها العقل البشري ضمن علاقاته مع أنظمة الجسم البشريّ، ولعلّ أبرز ما يظهر هذا الجانب في (الإنسان الآلي) وما وصلت إليه البشريّة من إنتاج (روبوتات) قادرة على محاكاة الإنسان في القيام بأعمال مهنيّة أو ممارسات اجتماعيّة لغويّة. 
    إنّ استخدام التّكنولوجيا للقيام بأعمال تُحاكي العقل البشريّ هو ما اصطلح على تسميته بـ(الذّكاء الاصطناعيّ)، فالذكاء في معناه اللّغويّ يدلّ على سرعة الفطنة، وهو ما يتمّ الاستفادة منه في تسخير التّكنولوجيا للوصول إلى أعلى مستوى من المحاكاة للعقل البشريّ. 
ويستند ذكاء التّكنولوجيا إلى تحليل البيانات المخزّنة فيه، بصورة تمكّنه من تصنيف تلك البيانات وتقديم تصوّرات مستقبليّة لكيفية توظيفها والاستفادة منها، وهذا الأمر في حقيقته لا يُهدّد أهمّيّة دور الكائن البشريّ بل يُسهم في تعزيز قدراته وتحسين جودة الأداء الممكنة لديه، خاصّة وأنّ مسألة توفير البيانات وإتاحتها للتكنولوجيا هي بيد الإنسان، الذي يستطيع توجيهها نحو الغاية والهدف الذي يطمح إليه. 
    وبالاعتماد على جانب الذّاكرة والتّحليل تبرز صورة الأداء اللّغويّ الذي يمكن للآلة أن تُحاكي فيه قدرات الإنسان في التّعامل مع اللّغة صوتيًّا وكتابيًّا وصولاً إلى القدرة على التّواصل من خلال هاتين الصورتين، فنحن نتوقع من الآلة أن تكون قادرة على محاكاة الإنسان في قدرته على قراءة النّصوص اللّغويّة وكتابة الكلمات والجمل والنصوص والتّفاعل مع السّياقات اللّغويّة تحدّثًا واستماعًا. 
    ولكننا في الواقع بحاجة إلى تزويد هذه الآلة بأدوات لغويّة معبّرة عن هذه الصّور، أي: تخزين الأدوات اللّغويّة في ذاكرة الآلات التّكنولوجيّة بطريقة خاصّة بكل لغة إنسانيّة وتمكين هذه الآلات من تحليل الصّور اللّغويّة وفق الغايات المقصودة منها، بحيث تتمكّن من تنفيذ إجراءاتها على النّحو الذي ينفّذه الكائن البشريّ، وهذا يعني أنّ ثمّة جهدًا كبيرًا ينبغي بذله لتحقيق هذه الغاية، يُعيد إلى ذاكرتنا ما كان يقوم به اللّغويّون القدامى من جمعٍ لمفردات اللّغة وتراكيبها وتصنيفها وفقًا لمستوياتها المتعدّدة، وتوصيفًا لطرق نطقها وكتابتها. 
    في الوقت الرّاهن، ثمّة تطبيقات لغويّة عديدة تعتمد على التّكنولوجيا في تنفيذ السياقات اللغويّة، فمن ذلك تطبيقات تحويل الصّوت المنطوق إلى نصّ مكتوب، والعكس، وتطبيقات جدول تصريفات مفردات اللّغة، وتطبيقات التّشكيل أو الضّبط بالحركات، ولعلّ التّرجمة الآليّة أشهر تلك التّطبيقات، ولكنّها تواجه كثيرًا من التّحدّيات في تنفيذ تلك السياقات بشكل متقن، فآليّة إنشاء هذه التّطبيقات تقوم على مبدأ تخزين مدخلات الأدوات اللّغويّة وتوجيه التّحليل الآليّ لها، وهو ما يستدعي إجراء عمليّات ترميز وتخصيص للمدخلات بأكملها. 
    وحدود هذه المدخلات تتعلّق بمستويات اللّغة، وفي شأن اللّغة العربيّة، فنحن نتحدّث عن المستوى الصّوتيّ والصّرفيّ والنّحويّ والدّلاليّ، فكل مستوًى من هذه المستويات يستدعي إجراء عمليّات تخزين وترسيم لحدود التّحليل، بصورة تضيّق من خيارات التّنفيذ بأكبر قدر ممكن وبأقل نسبة من الأخطاء. 
    ومن شأن هذه المدخلات أن تشكّل قاعدة بيانات واسعة تُلاحق اللّغة في نموّها وتطوّرها، تستند بدايةً إلى أسس الأنظمة اللّغويّة التي تنظّم استعمال اللّغة بوصفها معايير للصّواب اللّغويّ، مثل خصائص الأصوات، وقواعد التّصريف والاشتقاق، وقواعد العلاقات التركيبيّة بين الألفاظ، والمعاني ودلالات الألفاظ والتّراكيب وما وراء النّص، ومن جانب آخر، هناك بيانات تشمل الوقائع اللّغويّة في سياقاتها الطبيعيّة بما تمثّله من مرجعيّة تحليليّة تعزّز من دقّة مقاربة الآلة لمحاكاة الكائن البشريّ في التّفاعل مع اللّغة في تلك المستويات. 
    إن الوصول إلى أقصى درجات الاستفادة من تكنولوجيا (الذّكاء الاصطناعيّ) يستدعي تظافر جهود خبراء الحاسوب والمتخصّصين في علم اللّسانيّات للخروج بنماذج تطبيقيّة فعّالة للاستعمال الآلي للّغة، ومن شأن توظيف هذه التكنولوجيا في تعليم اللّغات أن يأتي بنتائج إيجابيّة بما تشتمل عليه من مؤثّرات حسّيّة تعرّض المتعلّم لوسائل سمعيّة وبصريّة وحركيّة تضاعف من إمكانيّة تعلّم اللّغة وتعزّز مهاراتها لدى المتعلّمين.

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

مدونة عُكاظ

2020