التخطي إلى المحتوى الرئيسي
جديد المدوّنة
  • جارِ تحميل أحدث المقالات…

اختبارات تحديد المستوى

Google Scholar

اختبار تحديد مستوى اللغة العربية

اختبار تفاعلي من أسئلة اختيار من متعدد لتحديد مستوى المتقدم في اللغة العربية.

اختيار من متعدد

اختبار تحديد مستوى الإنتاج الشفوي باللغة العربية

اختبار تفاعلي من ست مهام متدرجة، مع تسجيل صوتي وتقييم آلي للمستوى وإصدار شهادة نتيجة في نهاية الاختبار.

A1–C2 تقييم آلي شهادة نتيجة

التجريد في البلاغة العربية: مفهومه وأقسامه





بقلم/ د. عبدالكريم عبدالقادر اعقيلان


التجريد في البلاغة العربية: مفهومه وأقسامه

مقدمة

إن الجهود العلمية في مجال البلاغة، قديمًا، لم تكن تقسّم البلاغة إلى الصورة التي نراها في المؤلفات المتأخّرة، بل كانت علوم البلاغة – كما هو المصطلح المشهور – ترد مبثوثةً في كتب علماء اللغة، ثمّ مرّت بتاريخٍ طويلٍ من التّطوّر والنّمو، إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه الآن، فأصبح كلّ علمٍ منها مستقلاًّ عن غيره بمباحثه، وفنونه، وقضاياه.

ونحن هنا أمام مبحث تناولته كتب المتقدّمين والمتأخرين، واعتنوا بذكر الشّواهد على فكرته، فقد كان طرحه، مثلًا، في كتاب المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير، في باب الصناعة المعنوية، وهذا الباب من البلاغة واسعٌ ينضوي تحته كثيرٌ من المباحث التي قد يشترك بعضها في قسم من أقسام البلاغة المتخصّصة (البيان – البديع – المعاني) (ابن الأثير، 1/405).

أما في جواهر البلاغة، للسيّد أحمد الهاشميّ الذي جعل كتابه مفصّلاً لعلوم البلاغة، فقد جاء مبحث التجريد ضمن مباحث علم البديع، الذي يُعد من المحسنات المعنويّة – كان التّجريد أحدها – ومحسناتٌ لفظيّة كالجناس (الهاشمي، ص 308)، وكذلك صنع أحمد مصطفى المراغي في كتابه علوم البلاغة (المراغي، ص 334).

وإذا كان اختلاف موضع التجريد في هذه المؤلفات يعكس تطوّر تصنيف المباحث البلاغية واستقرار حدود علومها، فإن ذلك لا يغيّر من حقيقة حضوره بوصفه ظاهرة بلاغية قائمة على طريقة مخصوصة في بناء المعنى والتعبير عنه. ومن هنا، فإن الوقوف على مفهوم التجريد يمثل مدخلًا ضروريًّا لفهم طبيعته البلاغية، والكشف عن آليته، وتمييزه من الأساليب التي قد تتقاطع معه في بعض صورها.

مفهوم التجريد

التجريد في اللغة: هو إزالة الشيء عن غيره، وقد يدلّ على معنى التقشير، وهو من الجذر الثلاثيّ (جرد). أمّا في الاصطلاح البلاغيّ فهو: "أن يُنتَزَعَ من أمرٍ ذي صفةٍ أو أكثر؛ لإفادة المبالغة بادّعاء كامل الصّفة في ذلك الأمر، حتى كأنّه بلغ من الاتّصاف بتلك الصفة مبلغًا يصحُّ أن يُنتزعَ منه موصوفٌ آخر متّصفٌ بتلك الصفة" (المراغي، ص 334)، ويُعرّفه صاحب جواهر البلاغة بأنّه: "أن ينتزع المتكلم من أمر ذي صفة أمراً آخر مثله في تلك الصفة، مبالغة في كمالها في المنتزع منه، حتى أنه قد صار منها، بحيث يمكن أن ينتزع منه موصوف آخر بها" (الهاشمي، ص 308).

ويمكن تبسيط مفهوم التجريد بالقول إنّه يقوم على انتزاع المتكلّم من شخصٍ أو شيءٍ متّصف بصفةٍ ما شخصًا أو شيئًا آخر يماثله في تلك الصفة، على سبيل التخيّل والمبالغة في بيان قوّتها وتمكّنها فيه. فبدلًا من أن يقول المتكلّم: (زيدٌ شجاعٌ جدًّا)، يصوّر شجاعته كأنّها بلغت من القوة حدًّا يمكن معه أن يُنتزع منه شجاعٌ آخر يماثله فيها، وليس المقصود وجود شخصين في الحقيقة، وإنّما المقصود تأكيد كمال الصفة في صاحبها.

وقد يأتي التجريد في صورة أخرى، كما يظهر في تعريف ابن الأثير: "فأما حدّ التجريد فإنه إخلاص الخطاب لغيرك، وأنت تريد به نفسك، لا المخاطب نفسه؛ لأن أصله في وضع اللغة من جرّدت السيف؛ إذا نزعته من غمده، وجرّدت فلانا؛ إذا نزعت ثيابه" (ابن الأثير، 1/405)، فيجرّد المتكلّم من نفسه ذاتًا أخرى يتوجّه إليها بالخطاب، فيبدو كأنّه يخاطب غيره، مع أنّه يريد نفسه.

وبذلك تقوم فكرة التجريد، في أصلها، على الفصل الذهني بين الشيء ونفسه، أو بين الذات وذاتها، بحيث يُنزَّلان منزلة شيئين مستقلين في التعبير، ثم يُنتزع من الموصوف موصوفٌ آخر يماثله في الصفة للمبالغة في ثبوتها، أو تُجرَّد من الذات ذاتٌ أخرى يُوجَّه الخطاب إليها.

أقسام التجريد

ترد أقسام التجريد في كتب البلاغة مجموعةً تارةً دون تصنيف، وتأتي مصنفةً تارةً أخرى وفق اعتبارات مختلفة، ويُمكن تصنيفها حسب تلك المعطيات إلى ثلاثة أقسام: تصنيف دلالي ينظر إلى العلاقة بين المتكلم والمخاطَب، وتصنيف تركيبي ينظر إلى الأداة اللغوية التي يتحقق بها الانتزاع، وتصنيف بلاغي ينظر إلى تقاطع التجريد مع الصور البلاغية المجاورة كالتشبيه والكناية. وهذه التصنيفات الثلاثة ليست متعارضة بل متكاملة، إذ قد تجتمع أكثر من زاوية نظر في الشاهد الواحد، كما سيتبيّن.

أولًا: التصنيف الدلالي

وهو قيام التجريد على المعنى من جهة الخطاب، بالنظر إلى العلاقة بين المتكلّم والمخاطَب، وما إذا كان المتكلّم يوجّه الخطاب إلى غيره في الظاهر وهو يريد نفسه، أو يوجّه الخطاب إلى نفسه بعد أن يفصلها عنه ذهنيًّا ويجعلها بمنزلة مخاطَب مستقلّ. ويمكن القول بأنّ هذا التصنيف تأطيرٌ لمفهوم التجريد وفق رؤية ابن الأثير الذي بنى تصوّره للتجريد من جانبٍ دلاليّ، فقسّمه إلى قسمين:

1. التّجريد المحض: وهو "أن تأتي بكلام هو خطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك" (ابن الأثير، 1/406). ومن شواهده قول الحَيْص بَيْص:

| إلامَ يراكَ المجدُ في زيِّ شاعرِ ... وقد نَحِلَتْ شوقًا فروعُ المنابرِ

| كتمتَ بعيبِ الشعرِ حِلمًا وحكمةً ... ببعضهما ينقادُ صعبُ المفاخرِ


فالشاعر يتحسّر على منزلته الضائعة، إذ إن موضعه اللائق هو الحُكم والرياسة لا زيّ الشعراء؛ فيوجّه الخطاب إلى ذاته كأنها مخاطَب مستقل ("يراك") مع أن المتكلم والمخاطَب ذات واحدة (ابن الأثير، 1/406). ومنه أيضًا قول الأعشى:

ودِّعْ هريرةَ إنّ الرَّكبَ مرتحلُ ... وهل تُطيقُ وداعًا أيها الرجلُ

فقوله "أيها الرجل" يعود في الحقيقة على نفسه، وقد انتزع منها شخصًا يخاطبه بهذا الكلام. ومثله قول المتنبي:

| لا خيلَ عندَكَ تُهديها ولا مالُ ... فليُسعِدِ النطقُ إن لم تُسعِدِ الحالُ

إذ يخاطب الشاعر رجلًا انتزعه من نفسه، يشبهه في الفقر وقلة المال، ثم يوجّه له النصح بأن يكون سعيدًا ولو بالكلام (ينظر: أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم المدني، )6/153؛ (علوم البلاغة، للمراغي، ص 334).

2. التجريد غير المحض (نصف التجريد): قال عنه ابن الأثير: "خطاب لنفسك لا لغيرك، ولئن كان بين النفس والبدن فرق إلا أنهما كأنهما شيء واحد لعلاقة أحدهما بالآخر"، ووصفه بأنّه "نصف تجريد؛ لأنك لم تجرّد به عن نفسك شيئًا، وإنما خاطبت نفسك بنفسك، كأنّك فصلتها عنك وهي منك" (ابن الأثير، 1/408). ومن شواهده قول الشاعر:

| أقولُ لها وقد جَشَأَتْ وجاشَتْ ... رويدَكِ تُحمَدي أو تستريحي

فالشاعر يخاطب نفسه بعدما اضطربت خوفًا وقلقًا حين رأى بريق السيوف في المعركة وهمّ بالفرار، فأمرها بالثبات: إمّا أن تنال الحمد والشرف، وإمّا أن تستريح من عناء الحياة. ومنه أيضًا قول الشاعر الذي قتل أخوه ابنًا له، فلما جيء به إليه ليقتاد منه ألقى السيف وأنشد:

| أقولُ للنّفسِ تأساءً وتعزيةً ... إحدى يديَّ أصابَتني ولم تُرِدِ

يريد أنه قال لنفسه على سبيل التسلية والتصبير: هذا أخي الذي محلّه منّي محلّ إحدى يديَّ من الأخرى، وقد جنى عليّ سهوًا لا عمدًا (ابن الأثير، 1/408). ويُلاحَظ في هذين الشاهدين أن الشاعر لم ينتزع من ذاته شخصًا آخر مستقلًّا كما في القسم الأول، وإنما خاطب نفسه مباشرة، فبقي الاتصال بين المتكلم والمخاطَب أظهر من الانفصال، ولذلك سُمّي "نصف تجريد" لا تجريدًا كاملًا.

ثانيًا: التصنيف التركيبي

وهو قيام التجريد على البنية اللغوية والأداة التي يتحقق بها الانتزاع، ولا يخرج من الناحية التركيبية عن خمس صور:

1. التجريد بـ"مِن" التجريدية: وفيها يُصرَّح بأداة الانتزاع، نحو قول الشاعر:

| ترى منهمُ الأُسدَ الغِضابَ إذا سَطَوا ... وتنظرُ منهم في اللقاءِ بدورا

فالمعنى: تراهم أسودًا غضابًا إذا سطَوا على غيرهم، وتراهم في غير ذلك بدورًا لجمالهم وضيائهم، والموصوف بذلك هم على الحقيقة، غير أن الشاعر بالغ في وصفهم حتى انتزع منهم ما يوصف بذلك. ومنه قول أبي العلاء المعري:

| ماجَتْ نُميرٌ فهاجَتْ منكَ ذا لِبَدٍ ... واللَّيثُ أفتكُ أفعالًا منَ النَّمِرِ

يقصد وصف نفسه بالأسد، فبالغ في ذلك حتى انتزع من نفسه ما يوصف بأنه ذو لِبَد، وهو لقبٌ للأسد (ينظر: موسوعة اللغة العربية، الدرر السنية، المبحث الثاني عشر: التجريد).

2. الباء التجريدية: وتفيد معنى المصاحبة اللازمة للصفة نفسها، كقولهم في المثل السائر: "لَئن سألتَ فلانًا لَتَسألَنَّ به البحرَ"؛ فأصل الكلام: لئن سألت فلانًا فقد سألت بحرًا، شبّه المسؤول بالبحر بجامع السعة والكرم، غير أنه جرّد من الموصوف بذلك وانتزع منه ما يوصف بأنه بحر. ومنه قول الشاعر:

| دَعوتُ كُليبًا دعوةً فكأنّما ... دَعوتُ به ابنَ الطَّودِ أو هو أسرعُ

شبّه الشاعر سرعة كُليب في إجابة الدعوة بسرعة ابن الطَّود (الحجر الذي يهوي من الجبل)، لكنه انتزع من كُليب شيئًا وصفه بأنه كابن الطود مبالغةً في السرعة (موسوعة اللغة العربية، الدرر السنية، المصدر السابق).

3. التجريد بـ"في": وفيها يُنتزَع الشيء من داخل الموصوف نفسه، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت: 28]، فإن جهنم هي دار الخلد، لكنه انتزع منها دارًا أخرى جعلها معدّة فيها للكفار، تهويلًا لأمرها ومبالغةً في اتصافها بالشدة (موسوعة اللغة العربية، الدرر السنية).

4. التجريد بلا واسطة: وهي الصورة التي يُحذف فيها حرف الجر، ويأتي المُنتزَع مساويًا للمُنتزَع منه في التركيب مباشرة، كقول الشاعر:

| فلئنْ بقيتُ لأرحَلَنَّ بغزوةٍ ... تحوي الغنائمَ أو يموتُ كريمُ

أراد بالكريم نفسه، فكأنه انتزع من نفسه ما يوصف بالكرم مبالغةً، ولذلك لم يقل: "أو أموت". وقد قيل: إن تقدير البيت "أو يموت منّي كريم"، وعليه يكون التجريد بـ"من"، غير أنه لا حاجة لهذا التقدير لحصول التجريد بدونه (موسوعة اللغة العربية، الدرر السنية، المصدر السابق).

5. باء المعية: وتفترق، من حيث الأصل النحوي، عن الباء التجريدية في أن المصاحبة فيها تكون بين المتكلم والمُنتزَع لا بين الموصوف وصفته، نحو قول ذي الرمة:

| وَشَوْهَاءَ تَعْدُوْ بِيْ إِلَى صَارِخِ الْوَغَى … بِمُسْتَلْئِمٍ مِثْلِ الْفَنِيْقِ الْمُرَحَّلِ

فقوله (بمستلئم) جاء (بباء المعية)، إذ صوّر الشاعر فرسه وهي تعدو به إلى ساحة الوغى مصحوبةً بفارسٍ مدرَّعٍ يماثل الفَنيق (فحل الإبل الكريم) المُعَدّ للرحيل جهوزيّةً وقوة، وهذا الفارس المستلئم المصاحِب في العَدْو ما هو إلا الشاعر نفسه، فقد انتزع من ذاته صورة فارسٍ آخر مستلئمٍ يصاحبه في المشهد، مبالغةً في وصف كمال استعداده وتجهّزه للقاء. والفرق بين هذه الباء والباء التجريدية أن الأخيرة تنتزع صفةً من موصوفٍ مباشرة (سألتَ بحرًا)، أما باء المعية فتصوّر مصاحبة ذاتٍ منتزَعة (الفارس المستلئم) لذاتٍ أخرى (الفرس) في الفعل نفسه (ابن عبد الحق العمري، درر الفرائد المستحسنة في شرح منظومة ابن الشحنة، ص 425).

ويُلاحَظ أن هذه الصور، وإن اختلفت في الأداة، تشترك جميعًا في جوهر واحد وهو الانتزاع بقصد المبالغة، وإنما تتفاوت في درجة الصراحة اللغوية بالانتزاع: فكلما صرّحت الأداة به كان التجريد أظهر، وكلما حُذفت الأداة اقترب التركيب من الوصف المجرد الذي لا يُقصد به التجريد البلاغي بالضرورة.

ثالثًا: التصنيف البلاغي

وأقصد من هذا التصنيف إدراك الكناية والتشبيه بوصفهما مظهرين أدرجهما البلاغيّون بشكل غير مباشر ضمن حدود التجريد، وإن كان لبعضهم موقفٌ يميّز فيه بين ما هو تجريد محض وما هو تشبيه صريح في بعض الشواهد. وأرى أن إضافة هذا القسم من باب تسهيل فهم صور التجريد وتمييزها عمّا يجاورها.

من جهة التشبيه: يقوم التجريد على تصوير الموصوف بصفته وكأنه ذاتان لا ذات واحدة، وهذا قريبٌ من التشبيه البليغ الذي يُحذف منه وجه الشبه وأداته. فقولهم: "لئن سألت فلانًا لتسألنّ به البحر" أصله تشبيه صريح (سألتَ بحرًا)، لكن التجريد يزيد على التشبيه بادّعاء أن الصفة بلغت حدًّا يمكن معه انتزاع موصوفٍ مستقلٍّ منها، وهذا ما لا يشترطه التشبيه المجرّد في ذاته.

من جهة الكناية: يشترك التجريد مع الكناية في أن الدلالة على كمال الصفة لا تأتي بالتصريح المباشر. ومن أوضح شواهد هذا التداخل قول الأعشى:

| يا خيرَ من يَركبُ المطيَّ ولا ... يَشربُ كأسًا بكفِّ من بَخِلا

يريد الشاعر مدح الممدوح بالكرم، فقد أراد وصفه بأنه يشرب الكأس بكفّ جواد، فانتزع من الممدوح جوادًا يشرب هو الكأس بكفّه عن طريق الكناية؛ لأنه إذا نفى عنه الشربَ بكفّ البخيل فقد أثبت له الشربَ بكفّ كريم، ومعلومٌ أنه يشرب بكفّ نفسه، فهو ذلك الكريم. فالتجريد هنا تحقق بواسطة الكناية لا بالتصريح، وهذا ما يُظهر أن التجريد قد يتداخل مع أداة الكناية نفسها لا مع مجرد الشبه بينهما فحسب.


الخاتمة

يتبيّن مما سبق أن التجريد، على الرغم من تفرّق مباحثه في المصنّفات البلاغية القديمة، يمثّل ظاهرة أسلوبية متماسكة تقوم على الفصل الذهني بين الذات وذاتها أو بين الموصوف وصفته، بقصد المبالغة في إثبات كمال تلك الصفة. وقد حاولت هذه الدراسة تقديم تصنيف ثلاثي (دلالي، وتركيبي، وبلاغي) يجمع هذه الظاهرة من زوايا مختلفة، مدعّمًا بشواهد من القرآن الكريم والشعر العربي القديم، فمن جهة الخطاب ينقسم التجريد إلى محضٍ وغير محض، ومن جهة البنية اللغوية يتحقق بخمس أدوات تتفاوت في درجة التصريح بالانتزاع، ومن جهة علاقته بالفنون البلاغية المجاورة يتقاطع مع التشبيه والكناية دون أن يذوب فيهما، بل قد يتحقق التجريد بواسطة الكناية ذاتها كما في شاهد الأعشى.

ويمكن القول بـأنّ هذا التصنيف الثلاثي ليس تصنيفات متعارضة، بل متكاملة، إذ يجتمع في الشاهد الواحد أكثر من تصنيف: فبيت الحيص بيص محضٌ من جهة الخطاب، وبيت "ترى منهم الأسد الغضاب" متحققٌ بأداة "من" من جهة التركيب، وبيت الأعشى في مدح الكرم متقاطعٌ مع الكناية من جهة الصورة البلاغية. وتفتح هذه الدراسة المجال أمام بحوث لاحقة تتناول التجريد في نصوصٍ أدبية بعينها، أو تقارن بين معالجته عند القدماء والمحدثين بشكل أوسع.


المصادر والمراجع


¨ ابن الأثير، ضياء الدين نصر الله بن محمد. المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر.
¨ الهاشمي، أحمد بن إبراهيم. جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع.
¨ المراغي، أحمد مصطفى. علوم البلاغة: البيان والمعاني والبديع.
¨ ابن معصوم المدني. أنوار الربيع في أنواع البديع.
¨ ابن عَبد الحَقّ العُمَري الطرابلسي (ت نحو 1024هـ). درر الفرائد المستحسنة في شرح منظومة ابن الشحنة (في علوم المعاني والبيان والبديع). تحقيق: د. سليمان حسين العميرات.
¨ موسوعة اللغة العربية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رحلتي في التداول: لماذا هذا الكتاب؟

رحلتي في التداول: لماذا هذا الكتاب؟ 1. الأسباب التي دعتني إلى تأليف الكتاب: لقد بدأت القصة من تجربةٍ شخصية إذ دخلتُ سوق الفوريكس ليس كما يدخله الكثيرون، بل دخلته دخولاً محفوفًا بالمغامرة والجرأة، والتّعرّض لعقول مستثمرين لا يتعاملون بالأحاد أو العشرات أو المئات من الأرقام الماليّة، بل لا يعرفون سوى خانات الآلاف فما فوق... فما كنت أجنيه في شهر رأيته يتحقق في الفوريكس في ساعات... وما يتحقق في اثني عشر شهرًا يُمكن تحقيقه في ستّة أيّام ... هذه حقيقة وليست خيالاً... فهذا أول دافعٍ دفعني إلى نقل هذه التّجربة، لأنّني على يقين بأنّ هناك الكثير من يطمح إلى تحقيق هذه الغاية الاقتصاديّة، ولكنها ليست بالسّهولة التي سردتها عليكم. وهنا، نأتي إلى الدّافع الثّاني، وهو أنّ هذه الفئة من المستثمرين، ليسوا على درجة واحدة من الفهم والإدراك في العمل الفنّي وتحليل الأسواق الماليّة، بل بعضهم يعملون سماسرة لدى شركات التّداول ولا يفقهون شيئًا في التّحليل الفنّي، وكل ما يفعلونه هو استغلال الرغبة النّفسية لدى المتداولين الصّغار ويغرونهم بالأرباح في لحظة معيّنة ثم يفاجئونهم بحرق محافظهم الماليّة ليتقاسموها مع أ...

القبائل الّتي يُحتجّ بلغتها في أصول العربيّة

بقلم: الدكتور عبدالكريم اعقيلان عناصر الموضوع: - سبب تحديد القبائل الّتي يُحتجّ بلغاتها. - تحديد القبائل الّتي يُحتجّ بلغاتها. - تداخل عنصريّ الزّمان والمكان في الاحتجاج اللّغويّ. - تحديد القبائل الّتي لم يُحتجّ بلغاتها. المراجع: - الفارابي : الألفاظ والحروف - السيوطي : الاقتراح - السيوطيّ: المزهر - ابن جنّي: الخصائص - محمّد عبده فلفل: اللّغة الشّعريّة عند النّحاة - مصطفى الرّافعيّ: تاريخ آداب العرب ***** أولاً: سبب تحديد القبائل الّتي يُحتجّ بلغاتها: تدخل قضيّة القبائل الّتي يُحتجّ بلغاتها في أصول اللّغة من كونها المستند الّذي يعتمده اللّغويّون في تقعيد اللّغة، أو وضع القاعدة اللّغويّة، والكلام المُتداول هو المسرح الّذي استمدّ منه اللّغويّون شواهدهم اللّغويّة، وهو مساحةٌ كبيرة من شرائح المجتمع، الّذي تدور اللّغة في فلكه، وتنشأ في أحضانه. وقد كان السّبب الرّئيس لتحديد هذه القبائل مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بخدمة القرآن الكريم، وهو الكتاب المبين الّذي نزل بلسان العرب ولغتهم، وقد ترتّب على هذا الأمر أن يحرص اللّغويّون على اختيار المستوى ال...

فقه اللّغة عند ابن فارس والثّعالبيّ – أبعاده ومفهومه

فقه اللّغة عند ابن فارس والثّعالبيّ – أبعاده ومفهومه  بقلم/ الدّكتور عبد الكريم عبد القادر اعقيلان  يُعدّ مفهوم (فقه اللغة) من المفاهيم الأساسيّة في الدّراسات اللّغويّة، وقبل تعريف هذا المفهوم، يسترعي الانتباه مجموعة من المؤلّفات التي عُنونت به لتشكّل مصطلحًا يعتلي صفحات الكتب، ومن أشهر المؤلّفات القديمة الصّريحة في هذا الباب: كتاب الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، لابن فارس (395هـ)، وكتاب فقه اللغة وسر العربية، لأبي منصور الثّعالبيّ (429هـ)، وسأعرض لهذين المؤلّفين مبيّنًا أبعاد فقه اللّغة بحسب ما أورده كلٌّ منهما في كتابه، وصولاً إلى تحديد المقصود من فقه اللّغة وفق رؤية كلّ منهما.  الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، لابن فارس (395هـ)  جمع ابن فارس في هذا الكتاب جملة من المسائل اللّغوية، يُمكن تصنيفها كالآتي:  أوّلاً: الفلسفة اللّغويّة  فقد تناول مجموعة من المسائل التي تندرج تحت ما يُمكن وصفه بالفلسفة اللّغويّة، كالحديث عن نشأة اللّغة، ورأيه في أنّها توقيفيّة، وما ذهب به إلى تفضيل العربيّة على سائر اللّغات،...