صناعة المستحيل اللّغويّ
بقلم الدكتور عبدالكريم عبدالقادر اعقيلان
يرتبط الحديث عن اللغة والذكاء الاصطناعي في الخطاب المعاصر بالترجمة والتحليل الآلي للنصوص، أي بما يُقال، غير أن جانبًا من التواصل الإنساني يقوم على ما لا يُقال: عبارة تُختصر، وصمت يُقصد، وكلمة تعترف بقصورها عن بلوغ المعنى، وقد عالج التراث اللغوي (المستحيل) ضمن باب الصحة والفساد في الكلام، ولم يجعله وصفًا لحدّ يقف عنده التعبير نفسه، ومن هذا الموضع تنشأ الحاجة إلى إعادة النظر في المفهوم.
يقترح هذا المقال مصطلح (المستحيل اللغوي) لتسمية الفجوة بين المقصد الكامل للمتكلم والصياغة الممكنة له، ويستعمله استعمالًا مجازيًّا: فالمستحيل في معناه المنطقي ما لا يُتصوّر، وهو هنا ما لا تتسع له العبارة، والعلاقة بين المعنيين أن كلًا منهما حدّ لا يعبره القول، ويسعى المقال إلى الإجابة عن سؤالين:
1. ما حدود هذا المفهوم، وبماذا يختلف استخدامه قديمًا عن استخدامه حديثًا؟
2. هل في النماذج الروبوتية المعاصرة ما يدل على إدراكها الفجوة بين الاستعمال التراثي والاستعمال المعاصر؟
أولًا: المستحيل في التراث اللغوي والبلاغي
ظهر (المستحيل) في التراث بمعنيين: معنى مضموني يتصل بما لا يُتصوّر ولا يُعقل، ومعنى تركيبي يتصل بفساد الكلام. وأقدم ما يجمع الوجهين تقسيم سيبويه الكلام، في (باب الاستقامة من الكلام والإحالة)، إلى مستقيم حسن، ومحال، ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، ومحال كذب. وهذا التقسيم يفصل بين صحة الكلام وصدق مضمونه، فالمحال عنده أن ينقض آخر الكلام أوله، والكذب حكم آخر مستقل عن الاستقامة (سيبويه، الكتاب).
وعلى هذا الأساس عقد ابن جني في (الخصائص) بابًا في المستحيل ربطه بصحة القياس أو فساده، وأشار إلى أن بعض الألفاظ أو التراكيب لا تعبّر عن معنى قائم (ابن جني، الخصائص)، وعرّف حازم القرطاجني المستحيل بأنه: (ما لا يصح وقوعه في وجود ولا تصوّره في ذهن، كأن يكون الإنسان قائمًا قاعدًا في وقت واحد) (القرطاجني، منهاج البلغاء)، ويظهر من هذا التعريف أن مرجع الحكم هو الوجود والتصوّر، لا طاقة العبارة، ويمكن أن يُستخلص منه أن ما يمتنع تصوّره لا يصح أن يُعبَّر عنه في القول الفصيح.
أما الوجه الثاني فتمثّله بلاغة الحذف، فقد وصف عبدالقاهر الجرجاني في (دلائل الإعجاز) باب الحذف بأنه يُرى فيه: (ترك الذكر أفصح من الذكر)، وبيّن أن الصمت عن الإفادة قد يزيد في الإفادة (الجرجاني، دلائل الإعجاز)، ويدل ذلك على أن التراث أدرك أن للمسكوت عنه أثرًا في المعنى، غير أنه عالج الحذف بوصفه فضيلة بلاغية داخل الجملة، يُقدَّر محذوفها ويُعرف موضعه، ولم يعالجه بوصفه حدًّا يقف عنده التعبير.
ويترتب على ذلك أن التراث قدّم ميزانين: ميزان الإحالة الذي يحكم على الكلام بالصحة والفساد، وبلاغة الحذف التي تثبت أن للمسكوت عنه أثرًا، ولم يقدّم اسمًا للحال الثالثة، وهي ما يقصده المتكلم ولا تسعه العبارة، وفي هذا الموضع يدخل المفهوم المقترح.
ثانيًا: ضبط المفهوم والتمييز
المستحيل اللغوي في هذا المقال هو الفجوة بين المقصد الكامل للمتكلم وأقصى ما تتسع له الصياغة اللغوية، ولا يُحكم عليه بالصواب أو الخطأ ولا بالصدق أو الكذب، لأنه لا يظهر في صورة ملفوظة تقبل هذين الحكمين، ولا يعني استحالة المعنى في الوجود، فالمعنى قائم في نفس المتكلم، والمتعذّر هو نقله كاملًا بالعبارة.
ويقتضي ضبط المفهوم الفصل بين ثلاث حالات متجاورة:
|
الحالة
|
تعريفها
|
مثالها
|
علاقتها
بالمفهوم
|
|
الفجوة
(المستحيل اللغوي)
|
ما
يقصده المتكلم ولا تتسع له العبارة
|
شكر
أو حب يتجاوز ما يحتمله اللفظ
|
هي
المفهوم نفسه
|
|
الضمني
المقصود
|
ما
يقصده المتكلم ويدركه السامع من السياق دون تصريح
|
-
الجو بارد هنا، يريد بها المتكلم أن يُغلق السامع النافذة.
- هل عندك وقت؟ في أول الاجتماع، يريد بها
طلب الحديث الآن.
|
قد
يكون وسيلة لإدارة الفجوة، وقد لا يتصل بها
|
|
المسكوت
عنه اختيارًا
|
ما
يمكن قوله ويتركه المتكلم لاعتبار اجتماعي أو زمني
|
الإيجاز
لضيق الوقت، والصمت مراعاةً لطبيعة العلاقة بين الطرفين
|
ليس
منه، لأن العبارة كانت ممكنة
|
ويكشف هذا التمييز موضع الخلل في الصياغة الأولى للمفهوم، فالوقت وطبيعة العلاقة بين المتكلم والمتلقي وتقدير الأثر عوامل تفسّر لماذا يختار المتكلم الإيجاز أو الصمت، ولا تفسّر لماذا تعجز العبارة، ولذلك تدخل في الحالة الثالثة، وتحدد اختيار وسيلة الإدارة، ولا تنشئ الفجوة، أما المقصد فهو الرابط بين الحالات الثلاث، إذ لا يدرك المتلقي الفجوة إلا إذا بلغه المقصد.
وتُدار الفجوة بوسائل ثلاث، أولها: صيغ العجز التعبيرية، كقولهم: (لساني يعجز عن شكركم)، و(لا تسعفني الكلمة للتعبير عن حبكم)، وهذه الصيغ ملفوظة، ولا تناقض المفهوم، لأنها لا تملأ الفجوة وإنما تعلنها، فهي من الأفعال الكلامية التعبيرية، وهو الصنف الذي ميّزه (سيرل) لأفعال الشكر والتهنئة وسائر ما يعبّر عن حال نفسية (Searle 1975)، وقد قامت نظرية الأفعال الكلامية أصلًا على أن القول فعل ينجز أثرًا (Austin 1962)، فالمتكلم يؤدي بالصيغة أثر الشكر ويبيّن مقداره بإعلان عجز الكلمة عنه.
وثانيها: الإيجاز والحذف والصمت المقصود، وقد سبق في بلاغة الحذف أن له أثرًا في المعنى، وثالثها: العلامات غير اللغوية، كتعابير الوجه والخروج من المجلس بعد جدال عقيم، وهذه ليست لغة، غير أنها تؤدي وظيفة تواصلية تكمل ما تتركه العبارة، ولهذا لا تدخل في المستحيل اللغوي، بل في وسائل إدارته.
ويتحصل من ذلك تعريف إجرائي يُبنى عليه ما بعده وهو: أنّ المستحيل اللغوي فجوة بين المقصد والعبارة، تُدار بوسائل لغوية وغير لغوية، ويدركها المتلقي حين يبلغه المقصد.
ثالثًا: معايير إدراك الآلة للمستحيل اللغوي
لا يكفي أن يتعرف نظام آلي على الألفاظ أو يحاكي انفعالًا ليُحكم بأنه يدرك المستحيل اللغوي، فالإدراك هنا بلوغ المقصد حين لا تحمله العبارة كاملًا، ويقتضي ذلك ثلاثة معايير:
1. استنتاج القصد: وهو أن يتجاوز النظام المعنى الحرفي إلى ما يريده المتكلم.
2. استثمار السياق: أن يوظّف النظام الموقف والوقت وطبيعة العلاقة بين الطرفين في ترجيح القصد، لأن هذه العوامل هي التي تحدد وسيلة الإدارة وتوجّه التأويل.
3. تقدير الأثر: أن يقدّر النظام ما يترتب على استجابته في المتلقي، لأن القصد في الفعل الكلامي مرتبط بالتأثير فيه.
ويحتاج تطبيق هذه المعايير على الإشارات الجسدية إلى تحفظ، فطريقة التعبير عن الانفعالات تتفاوت تفاوتًا كبيرًا بين الثقافات والمواقف، وأن الاستدلال على الانفعال من حركات الوجه وحدها لا يستند إلى دعم كاف، ويترتب على ذلك أن التعرف على تعبير الوجه لا يُحتسب بذاته استنتاجًا للقصد، بل هو مدخل يحتاج إلى سياق يفسّره.
رابعًا: النماذج الروبوتية
|
النموذج
|
ما
تذكره المصادر
|
ما
يتحقق من المعايير
|
|
EVA - روبوت
صممه مهندسون أمريكيون
|
يتعلم
بالتجربة والخطأ التحكم بعضلاته الميكانيكية وتحديد التعبير الذي يظهره على
وجهه، استنادًا إلى تعابير وجوه المحيطين به (روسيا اليوم 2021)
|
إنتاج
إشارة تعبيرية؛ لا يظهر استنتاج للقصد ولا تقدير للأثر
|
|
Ubtech Walker X
شركة صينية
|
نظام
للتعرف على الكلام والتركيب الصوتي، وشاشة تحاكي تعابير العينين وتعبّر عن 28
نوعًا من المشاعر (الإمارات اليوم 2021)
|
إنتاج
إشارة تعبيرية؛ لا يظهر استنتاج للقصد
|
|
الشرطي
الآلي (شرطة دبي)
|
يكشف
المشاعر وحركة الأجسام والإيماءات وإشارات اليد عن بعد، ويرصد تعابير السعادة
والحزن، ويقدّم الخدمات بست لغات ويردّ على استفسارات الجمهور (البوابة الرسمية
لحكومة الإمارات)
|
رصد
إشارات وحوار خدمي؛ إشارة جزئية إلى استثمار السياق، ولا يظهر استنتاج للقصد
الضمني
|
|
شامة
(روبوت مغربي)
|
يميّز
الأحاسيس ويحلل تعابير الوجه ويتعرف على المحيط ويجيب عن أسئلة الثقافة العامة
(موقع AI 2021)
|
رصد
إشارات وحوار معرفي؛ لا يظهر استنتاج للقصد
|
الخاتمة
قدّم التراث ميزانين في النظر إلى التعبير: ميزان الإحالة، وهو يحكم على الكلام بالصحة والفساد، وبلاغة الحذف، وهي تكشف أثر المسكوت عنه في بناء المعنى، غير أنه لم يضع اسمًا للفجوة التي تنشأ بين المقصد والعبارة، ومن هنا يتحدد موضع المستحيل اللغوي بوصفه فجوة بين المقصد الكامل والصياغة الممكنة، لا حكمًا على صحة التركيب أو فساده، ولا على صدق المضمون أو كذبه.
ويقتضي ضبط المفهوم تمييزه من الضمني المقصود ومن المسكوت عنه اختيارًا، فالوقت وطبيعة العلاقة وتقدير الأثر قد تفسّر لجوء المتكلم إلى الإيجاز أو الصمت، لكنها لا تفسّر عجز العبارة عن استيعاب المقصد كاملًا. وكذلك صيغ العجز التعبيرية، كالتصريح بعدم القدرة على الوصف أو الإفصاح، فهي لا تنفي الفجوة، وإنما تعلنها داخل الخطاب.
وتُدار الفجوة بوسائل ثلاث: صيغ العجز التعبيرية، والإيجاز والحذف والصمت المقصود، والعلامات غير اللغوية. وهذه الأخيرة تستكمل ما تعجز العبارة عن أدائه، لكنها تبقى خارج المفهوم نفسه، لأنها ليست لغة، أما إدراك الفجوة فيتطلب ما يتجاوز ظاهر العبارة: استنتاج القصد، واستثمار السياق، وتقدير الأثر التداولي، وبالنظر إلى النماذج الأربعة السابقة، فإن مصادرها لا تثبت أكثر من قدرتها على إنتاج الإشارات التعبيرية أو رصدها، ولا تثبت قدرتها على استنتاج المقصد الضمني الذي تقصر العبارة عن أدائه، وعليه يبقى القول بإمكان (صناعة) المستحيل اللغوي بهذه النماذج فرضية مؤجلة، لا تُقرَّر إلا باختبار مباشر يقيس قدرتها على إدراك الفجوة بين المقصد الكامل والصياغة الممكنة.
*****
ابن جنّي، الخصائص (3/332).
ابن منظور، لسان العرب (11/184)، مادة (حول).
خالد سليمان، لغة الشّعر بين الممكن والممتنع والمستحيل، مجلّة أبحاث اليرموك، سلسلة الآداب واللّغويّات، (مج 13)، (ع 1)، 1995م، (ص263 – 284).
القرطاجنّي، منهاج البلغاء وسراج الأدباء (ص23).
خلف الله بن علي، التداولية مقدمة عامة، مجلة اتحاد الجامعات العربية للآداب، (مج 14)، (ع 1)، 2017م، ص224.
روبوت جديد ينسخ مشاعر الإنسان، موقع روسيا اليوم (RT). تاريخ النّشر: 03.06.2021 .
إنسان آلي يتكلم ويلعب الشطرنج ويصعد السلم ويميز المشاعر، ترجمة: سمير سعيد، موقع الإمارات اليوم، تاريخ النّشر: 12.07.2021
الروبوت وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، البوابة الرسمية لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة.
الروبوت المغربي “شامة” يحصل على دعم أميركي، موقع AI، تاريخ النّشر: 28.01.2021.
Thomas B. Sheridan, Human–Robot Interaction: Status and Challenges, HUMAN FACTORS, Vol. 58, No. 4, June 2016, pp. 525–532
Terrence Fong and others, The Human-Robot Interaction Operating System, HRI’06, March 2–4, 2006, Salt Lake City, Utah, USA
تعليقات
إرسال تعليق