نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

اخترنا لكم

الثلاثاء، 15 ديسمبر، 2015

نبذة مختصرة في علم البيان



علم البيان
·      بقلم:
-         ضياء الدّين محمّد الحموز وآخرون
 
ضياء الدّين محمّد الحموز- معلّم اللّغة العربيّة

جاء الدرس البلاغيّ عند القدماء مدفوعاً برغبة معرفة دقائق اللغة العربيّة، وأسرارها، والكشف عن وجوه الإعجاز في نظم القرآن الكريم وصولاً إلى قوانين تمكنهم من الوقوف على مقاصد الشارع الحكيم، وتمكنهم من محاكاة أسلوب النظم القرآني المعجز، وقد انقسم الدرس البلاغيّ عندهم إلى ثلاثة أقسامٍ أساسيّة، هي: البيان، والمعاني، والبديع، وحديثنا في هذه الورقات مختصّ بالبيان.
يبحث علم البيان في وسائل التصوير الفنّي، وأهمّها : التشبيه، والكناية والاستعارة، ويقيم هذا العلم حتى وقت متأخّرٍ من الدراسات البلاغيّة القديمة فواصل بين هذه الأنواع الثّلاثة، وقد باتت هذه الأصول الثّلاثة- إن صحّ التعبير- تدخل في إطار ما يعرف الآن بـ (الصّورة الشّعريّة) أو (اللّوحة الفنّيّة).
ويمكن الوصول إلى البيان العربيّ من خلال مؤلفات الأقدمين الذين أثروا المكتبة العربيّة بذخائر الأدب والثقافة والعلوم اللّغويّة، ومن أشهر المؤلفات البلاغية التي عنيت بالبيان العربي قديماً:
-       البيان والتبيين : الجاحظ 255هـ.
-       البديع: عبدالله بن المعتزّ 296هـ.
-       نقد الشّعر: قدامة بن جعفر 337هـ.
-       نقد النثر (كتاب البرهان في وجوه البيان): قدامة بن جعفر 337هـ.
-       النكت في إعجاز القرآن: الرماني
-       إعجاز القرآن: الباقلاّنيّ
-       إعجاز القرآن: القاضي عبدالجبّار
-       الوساطة بين المتنبي وخصومه: علي بن عبدالعزيز الجرجاني
-       عيار الشّعر: ابن طباطبا
-       الموازنة بين أبي تمام والبحتري: الآمدي
-       كتاب الصناعتين: أبو هلال العسكريّ
-       العمدة في صناعة الشعر ونقده: ابن رشيق القيرواني
-       سر الفصاحة: ابن سنان الخفاجيّ
-       الجرجاني: أسرار البلاغة
-       الزمخشريّ: الكشاف
-       مفتاح العلوم: السكاكي
-       المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر: ابن الأثير
-       تلخيص الخطيب القزويني وشروحه/ ونهاية الإيجاز في دراية الإعجاز: الفخر الرازي.
تعريف علم البيان
البيان لغةً: مصدر الفعل بانَ، وهو من الوضوح والظهور، يُقال: بان الشيء بياناً إذا اتّضح وظهر.
البيان اصطلاحاً: هو علمٌ يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرقٍ مختلفةٍ مع وضوح الدلالة عليه.
واضع علم البيان
لعل مقولة (أوّل من وضع العلم) باتت من مسلّمات البحث العلميّ، وهي على صحة قربها من تحديد الأوّليّة، إلا أنّها ليست سوى صيغةٍ لغويّة للتعبير عن اليد التي اشتهر العلم على يديها، ومن هنا، فإنّ الحدي ثعن علم البيان وأوّليّة وضعه، تجعلنا نحتكم إلى الموضوعيّة في ذكر تاريخ نشأة هذا العلم، فقد قيل إنّ أوّل من دوّن مسائلَ هذا العلم، هو أبو عبيدة معمر بن المثنّى في كتابه (مجاز القرآن)، ولكنّ الجاحظ  الجاحظ عمرو بن بحر، في كتابه (البيان والتبيين) كان قد أرسى معالم البيان وأسس بنيانه، ثم تبعه من تبعه ممن سبق ذكر كتبهم، والراجح مع كل ذلك أنّ الفضل بعد الله تعالى، يعود إلى الجاحظ؛ " لأنّه جمع طائفةً من النّصوص توضّح لنا توضيحاً حسناً كيف كانَ العرب يتصوّرون البيان العربيّ في القرن الثّاني والنّصف الأوّل من القرن الثّالث، وتعطينا صورةً مجملةً لنشأة البيان العربيّ"، وهذا ما لم يسبقه إليه أحد، ولكننا أيضاً لا نستطيع أن ننكر أنّ علماء البلاغة كلّهم قد تميّزوا في أطروحاتهم، وقدموا لهذا العلم ما حفظه لهم التاريخ.
أقسام علم البيان
يمكن القول بأن دراسة علم البيان عند القدماء، قد جاءت ضمن إطار دراسة العلاقة بين اللفظ والمعنى، فهذا عبدالقادر الجرجانيّ يجعل الحديث عن علاقة اللظ بالمعنى أساساً ينطلق منه في كتابه أسرار البلاغة، والخطيب القزويني في تلخيصه، ينتهي إلى أن علاقة اللفظ بالمعنى لا تخرج عن علاقة المطابقة أو التّضمّن أو الالتزام، وأنّ الأولى علاقة وضعية، أما الأخيرتان، فعلاقتان عقليتان، فعلم البيان كما يشير القزوينيّ، يولي جل اهتمامه لهاتين العلاقتين، ويجعلها مدار بحثه، ودراسته، وليس له في الأولى، محل رعاية أو عناية؛ إذ العلم بوضع الألفاظ إزاء مدلولاتها، يحرمها خصيصة التفاضل في الوضوح، الناجمة عن التفاوت والاختلاف، وهذا الاهتمام البيانيّ بعلاقتي التضمّن والالتزام جعلته محصوراً في ثلاثة أقسام، هي: التشبيه، والكناية، والمجاز، ومنه الاستعارة.
*****



أوّلاً: التشبيه
ينطلق التشبيه من حقيقة أنّ ما تقع عليه الحاسّة أوضح مما لا تقع عليه، ومن هنا كانت فلسفة التّشبيه، وهو إلى جانب بقية عناصر البيان، يعدّ من مخرجات الجمع بين التصوير والصياغة، التي أرسى دعائمها الجاحظ ودارت في كتبه.
التشبيه لغةً:  التمثيل والمماثلة.
التشبيه في الاصطلاح: الدلالة على مشاركة أمرٍ لأمرٍ في معنى.
        أركان التشبيه
أركان التشبيه أربعة، هي:
- المشبه     - المشبّه به   - وجه الشبه       - أداة التشبيه، وتأتي حرفاً (كـ/ كأنّ)، واسماً (مثل/شبه/ شبيه) وفعلاً (يشبه/ شُبّه)
ومن ذلك:
أنت كالليث في الشجاعة والإقدام      وكالسيف في قراع الخطوب
الركنان الرئيسان في التشبيه هما المشبه والمشبه به، إذ لا يمكن حذف أحدهما في التشبيه، فحذف أحدهما يخرج العبارة من باب التشبيه، إلى دائرةٍ الاستعارة.
أقسام التشبيه
يقسم البلاغيون التشبيه إلى ثلاثة أنواع هي:
1.     أحدهما أالتشبيه المفرد: وهو أن يشترك المشبه والمشبه به في صورة واحدة.
2.     التشبيخالتشبيه التمثيليّ: وهو أن يكون وجه الشبه فيه صورةً منتزعة من متعدد، نحو قول الشاعر:
والماء يفصل بين روض الزهرفي الشطين فصلا
كبساط وشيٍ جردت          أيدي القيون عليه فصلاً
فقد شبه الشاعر صورة ماء الجدول يجري بين روضتين على شاطئه اليمين وشاطئه اليسار، وقد حلاهما الزهر ببدائع ألوانه بصورة سيفٍ لمّاعٍ جرده حداد على بساط حرير مطرّز.
3.     التشبيه الضمنيّ: التشبيه يلمح فيه المشبه والمشبه به في التركيب لمحاً إذ يرد فيه المشبه على شكل قضيةٍ أو حكم، والمشبه به على شكل دليلٍ أو برهان على صحة القضية أو ذلك الحكم، نحو:
من يهن يسهل الهوان عليه             ما لجرحٍ بميّتٍ إيلامُ
        والتشبيه- بشكل عام-  فيه إثراءٌ أدبي وجمال فني، وإبداعٌ في التصوير وتأثيرٌ في النفس.
4.     التشبيه المقلوب: هو  أن يكون وجه الشبه أقوى في المشبه به منه في المشبه. ويسمى: تشبيه التّفضيل، ومنه:
وبدا الصباح كأن غرته  وجه الخليفة حين يمتدح
بلاغة التشبيه تتمثّل في طرافة وجدة ومقدار الخيال في الصورة.
*****
ثانياً: الاستعارة
هي نوع من المجاز، تقوم العلاقة فيه بين المعنى الأول للكلمة ومعناها الثاني الذي انتقلت إليه على المشابهة، وقد قال في تعريفها الحاحظ: " تسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامه" وهو في نظر عبدالقاهر الجرجانيّ : "أن يكون للفظ أصل في الوضع اللغوي معروف تدل عليه الشواهد على أنه اختفى به حين وضع، ثم يستعمله الشاعر أو غير الشاعر في غير ذلك الأصل، وينقله إليه نقلاً غير لازم فيكون هناك كالعارية". تعريف السكاكي: " هي أن تذكر أحد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الآخر مدّعياً دخول المشبه في جنس المشبه به، دالاً على ذلك بإثباتك للمشبّه ما يخصّ المشبه به".
الاستعارة في اللغة: الاستعارة مأخوذة من العارية، يقول الأزهريّ: "وأما العارية والإعارة والاستعارة، فإن قول العرب فيها: هم يتعاورون العواريّ ويتعورونها بالواو... وقال: والعارية منسوبةٌ إلى العارة، وهو اسمٌ من الإعارة، تقول: أعرته الشيء أعيره إعارة وعارةً".
الاستعارة في الاصطلاح: لفظ استعمل في غير ما وضع له؛ لعلاقة المشابهة، مع قرينة مانعةٍ من إرادة المعنى الحقيقيّ الذي وضع له اللفظ، وبعبارةٍ أخرى: هو تشبيه غاب فيه أحد ركنيّ التشبيه، الرئيسين (المشبه- المشبه به).
مثال ذلك، قول المتنبي:
فلم أر قبلي من مشى البحر نحوه       ولا رجلاً قامت تعانقه الأسد
ففي البيت نجد أنّ الشاعر شبّه ممدوحه في الكرم بالبحر، لكن! في غياب ثلاثة أركان من أركان التشبيه، وأحدها المشبّه، وقد منعنا من إرادة المعنى الحقيقي للبحر هو قوله: (يمشي).
أقسام الاستعارة
تقسم الاستعارة بحسب اعتبارات كثيرة، ومن أهمها إعتبار المحذوف:
1.     الاستعارة التصريحية: وهي ما يصرح فيها بلفظ المشبه به دون لفظ المشبه، نحو قول المتنبي:
وأقبل يمشي في البساط فما درى               إلى البحر يسعى أم إلى البدر يرتقي
فقد صرح اشاعر بالمشبه به (البحر) و (البدر) ولم يذكر لفظ الممدوح.
2.     الاستعارة المكنيّة: وهي ما لا يذكر فيه المشبه به، دون المشبه، مع الإبقاء على شيءٍ من لوازم المشبه به، نحو قوله تعالى: "ولما سكت عن موسى الغضب"، فقد شبه الغضب بإنسان، وحذف المشبه به، وكنّي عنه بشيءٍ من لوازمه على سبيل الاستعارة المكنيّة.
3.     الاستعارة التمثيليّة: وهي التي تقع في التركيب، وتغلب في الأمثال العربية شعراً ونثراً، فإنّ شيوع الاستعارة التمثيلية يحولها إلى مثل، كقولنا لمن ينتقد شخصاً آخر في أمرٍ ما، والأمر نفسه مصابٌ به الناقد: (من كان بيته من زجاج، فلا يقذف الناس بالحجارة)ـ فقد شبهنا الة هذا الشخص بحالة من يقذف بيوت الناس الزجاجية- وبيته من الزجاج- بالحجارة.
التوسّع في استعمال الاستعارة
التوسع في استعمال الاستعارة أوجد كثيراً من المعاني التصويريّة، التي تعرض ما يحقق غرض الكاتب أو القائل، ومنها: 
-       التشخيص: تشخيصها للشيء المعنويّ حتى يتحوّل إلى شيءٍ ماديٍّ تقع عليه الحواس.
-       التجسيد: تجسيدها للشيء المادّي، فتدب الحياة فيه، فيتحوّل إنساناً ناطقاً باسماً أو ضاحكاً، مفترساً أو أليفاً، ونحو ذلك.
*****



ثالثاً: الكناية
الكناية لغةً: ترك التصريح بأن تتكلّم بشيءٍ وتريد معنى غير المعنى الظاهر، وهي مشتقة من كنا يكني أو يكنو وكنوت، قال أبو زيد الكلابيّ: "وإنّي لأكنو عن قذور بغيرها"، وقذور: اسم امرأة.
الكناية اصطلاحاً: لفظ أطلق وأريد به لازم معناه، مع جواز إرادة ذلك المعنى، و سماها: قدامة بن جعفر: الإرداف.
الفرق بين الكناية والمجاز
العلاقة في الكناية تنحصر في علاقة الردف أو التبعية، أو هي علاقة التلازم بين المعنى الذي يدل عليه ظاهر اللفظ والمعنى الآخر المراد منه، بالاعتماد على العرف والعادة التي تحدد التلازم بين المعنيين في الكناية، وبلغة أخرى: المجاز غير موجود في الواقع، أما الكناية فيمكن أن توجد في الواقع؛ لأنّه لا يوجد في الكناية قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصليّ، وهنا تكمن قوة الكناية ، في إرادة لازم معنى اللفظ، لأنه يقوي الصفة ويثبتها أقوى من التصريح المباشر، وغاية ذلك: التعمية والتغطية، أو الرغبة عن اللفظ الخسيس إلى ما يدل على معناه من غيره، أو للتفخيم والتعظيم.
أقسام الكناية
-       كناية عن موصوف، مثل:
     طويل النجاد رفيع العماد                كثير الرماد إذا ما شتا
-       كناية عن صفة، مثل: 
  الضاربين بكل أبيض محذم             والطاعنين مجامع الأضغان
-       كناية عن نسبة، مثل:  
       فما جازه جود ولا حل دونه             ولكن يصير الجود حيث يصيرُ
*****
مما سبق، نلحظ أنّ تعاطي القدماء مع هذه المفاهيم الثلاثة، طغت عليها النظرة اللغويّة البحتة، أو ما يمكن أن نرى فيه محاكاةً للمنهج البنيويّ، مع فارق التشبيه، وقد تناول المحدثون هذه المفاهيم، تحتَ مسمّى الصورة الفنّيّة، بوصفها وظيفةً تعبيريّة، مشحونةً بالمشاعر والأحاسيس، والدلالات، التي تملك طاقة إبداعيّة، تتمثل بما تملكه الصورة الفنيّة، من إمكانيّة التفاعل الإيجابي عن طريق تلقٍّ مفتوحٍ متجددٍ باستمرار، وفق ما نصّت على ذلك المناهج الحديثة، كالأسلوبيّة، والسيميولوجيا، وجماليّات التّلقّي.
*****





علم البيان في النظرة الحديثة
إنّ علم البيان في الأسلوبيّة، يأخذ تسمية أخرى، هي (علم الصّورة، الفنيّة البلاغيّة)، فقد نُقل البيان، من أقسامه البلاغيّة إلى مصطلحٍ جديد باللغة المعاصرة، فما كان يُسمّى "علوماً بلاغيّة بيانيّة قديمة" بات يُسمّى "صورةً فنيّة" تجمع فنون البيان الأربعة، ولكن بمستوياتٍ متطوّرة، وقد كان البيان يبحث في السّابق عن الوضوح والمقاربة والإصابة والإبانة، لكنّ البيان في الأسلوبيّة بات صورةً فنيّةً تبحثُ عن الغموض والإبهام والرموز، ثمّ إقحام المقاييس النفسيّة والوجدانيّة وتمكين المعنى في نفس المتلقّي مع بثّ العاطفة في كلّ جزءٍ من أجزاء النّصّ.
وتجدر الإشارة إلى أنّ مصطلح "الصورة" قد وجد في القديم، إلا أنّه لم يكن بالمفهوم الذي استقرّ عليه في العصر الحديث، وقد ورد في تعريفات الجرجانيّ، والجاحظ والقرطاجيّ، قال الجرجاني في تعريف الصورة: " واعلم أن قولنا الصورة هو تمثيل وقياس لما نعمله بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا".
وينبغي التفريق بين مفهومين في حديثنا عن الصورة الفنّيّة:
الأوّل: مفهوم الصورة الفنّيّة.
الثّاني: نقد الصورة الفنّيّة.
وهنا، فالصورة الفنية بالمفهوم الأول لم تكن غائبةً عن دراسات الأقدمين، بل إن مفاهيم البلاغة السابقة في البيان، إنّما كانت تعالج هذا المفهوم، وهي بهذه المعالجة جمعت بين المفهومين، أي: الحديث عن مكونات الصورة الفنيّة، ونقدها، وكانت تظهر في مسميات النقد بتلك الأسماء أو المصطلحات السابقة، كالتشبيه، والاستعارة، والكناية، ونحوها.
أمّا في الدرس البلاغيّ الحديث، فقد تحوّلت الصورة من تلك الجزئيّات إلى عموميّة العرض والنّظر، وتحوّل معها النّقد البلاغيّ من تلك الحدود المفاهيميّة المتعددة إلى هذا المصطلح الوحدويّ، في كينونته، المتشعّب في تاثيره ودلالته، حتى باتت الصورة الفنّية طريقةً خاصّة من طرق التعبير.
وقد برز إلى جانب مصطلح الصورة الفنّيّة، ما يسمّى: "اللّوحة الشعريّة" وهو بمسمّاه، يحمل في دلالته منهجاً فنّيّاً يقارب مشهد الحياة، ويتعاور متقاطعاً مع الرسم والموسيقى، وسائر الفنون الأخرى، وينسجم مع أنماط الأجناس الأدبيّة، وتداخلاتها ومقارباتها، ويتفاعل مع شبكة المعلومات والقدرات والمواقف في حمل الدلالات، وتوصيل الرسائل، والتماس القيم، وطرح الحلول.
وقد استخدم كثيرٌ من الباحثين اللوحات الشعريّة في معالجاتهم للشعر، والشعر الجاهليّ منه، فقد درس شوقي ضيف اللوحة الشعريّة عند الشاعر (غيلان العدويّ- ذو الرمّة) وأسماها "لوحات ذو الرمّة"، وتناول هذا المصطلح كثيرٌ من الباحثين العرب، ومنهم إبراهيم عبدالرحمن الذي رأى أنّ الصورة الفنّيّة قد تطورت واستحالت على أيدي شعرائها الكبار أمثال النابغة الذبياني والأعشى البكريّ وزهير المزنيّ وأوس بن حجر التميميّ إلى لوحاتٍ فنية قصصية ممتدة، واستخدم عدنان قاسم اللوحة في أماكن متفرقة من كتابه (التصوير الشعريّ) ويتسميات متعددة، مثل: اللوحة الفنية، واللوحة المرسومة، اللوحة التشبيهيّة، ولكنه لم يحدد معالم هذه التسميات.
ومن أبرز الدراسات الحديثة لللوحة الشعريّة، الدراسة التي قدمها أستاذنا الجليل (الدكتور عبدالحميد المعيني) بعنوان:
اللوحات الإبدعيّة في الشعر الجاهليّ
وهي دراسة احتوت على قسمين:
القسم الأول: اللوحات الإبداعية، وفيها ثلاثة محاور، ضم المحور الأول: الحديث عن مصطلح اللوحة الفنيّة ومقوماتها وخصائصها، ووظائفها وتدلالاتها، واستخدام المصطلح، وفي المحور الثاني: الحديث عن شعراء اللوحات وحجمها وتحديد أمكنتها، وفي المحور الثالث: الحديث عن أقسام اللوحات وموضوعاتها.
أما القسم الثاني: فقد جمع فيه الباحث مجموعة من القصائد الشعريّة الجاهليّة على شكل ملفات متنوعة تعبر تعبيراً واضحاً وجليّا عن القسم الأول الذي قدم لهذه اللوحات.
وهو يقدم اللوحات الشعرية الإبادعية المتميّزة برؤية متعاونة، ونظرة متطورة تنسجم مع القراءات المعاصرة والتلقي الجديد، وتجمع بين التاريخ والفن والجمال، ضمن تنسيقٍ جديد لمعالم الشعر الجاهليّ، الذي اختصر الباحث لوحاته في:
-       الرجل
-       المرأة
-       الحيوان
وقد بلغ عدد الشعراء الذي تفرغوا لصناعة هذه اللوحات أكثر من ثمانين شاعراً وشاعرة، في مقدمتهم الشعراء الفحول والمشهورون والمحترفون، وكان عدد اللوحات التي قام الباحث بجمعها ما يزيد على مئتين وخمسين لوحة إبداعيّة، وعدد الأبيات الشعريّة ما يقرب الثلاثة آلاف بيت، وفي قصائد ومطولات زادت على ثلاثمئة، وبعضها يضم أكثر من لوحة شعريّة، وتعتبر هذه الدراسة من أحدث وأشمل ما قدم من جهود في خدمة الصورة الفنيّة في الحديث.


*****

  

جميع الحقوق محفوظة لـ مدونة عُكاظ ©