اللغة العربية - تاريخ وتحدّيات
تُعدُّ اللغة العربية واحدة من اللغات الحية التي شكلت جزءًا أساسيًّا من التاريخ الإنساني، والحديث عن جذور هذه اللغة يعود إلى القرن الرابع الميلادي من خلال ما اكتشف من آثار لنقوش مكتوبة بأحرفٍ عربيّة، غير أنّ اللّغة الإنسانيّة بشكلٍ عام قد نوقشت في حوارات الفلاسفة القدماء ومن أشهر تلك النقاشات ما يُعرف بـ (حوار أفلاطون – كراتيلوس)، وقد رصد اللّغويّون العرب هذه الآراء ومن أشهرهم العالم النّحوي (ابن جنّي) في خصائصه تحت باب (القول على أصل اللغة: أإلهام هي أم اصطلاح؟)، وبعيدًا عن هذه الآراء المتشعّبة، تبقى اللغة العربية بحيويّتها وسعة انتشارها رافدًا مهمًّا من روافد الحضارة البشرية بما قامت عليه من علاقة بالقرآن الكريم ونقلٍ لمختلف المعارف والعلوم، عبر القرون السالفة.
اللغة العربية واللّغات السّاميّة
لقد صنّف العلماء اللغات ضمن أسرٍ لغوية تجمع بينها أصولٌ تاريخية وخصائصُ صوتية وصرفية ونحوية مشتركة، بهدف تتبّع العلاقات بين اللغات والكشف عن مراحل تطورها وانتشارها، وتندرج اللغة العربية ضمن الأسرة السامية، إلى جانب عدد من اللغات القديمة والحديثة، مثل الآرامية والعبرية، وتتميّز هذه اللغات بسمات مشتركة، من أبرزها نظام الجذور الصرفية واعتماد الاشتقاق وسيلةً رئيسةً لتوليد الألفاظ وتوسيع الدلالات، إلا أن اللغة العربية تميزت عن بقية اللغات السامية، فمن ذلك أنها احتفظت بسمة من أقدم السّمات اللغوية التي فقدتها جميع اللغات السامية وهي تشديد نون المثنى إذا كان اسما موصولا أو اسم إشارة، " قال ابن هشام: ويجوز تشديد نونهما رفعا بالاتفاق وجرّا ونصبا خلافا للبصريين، ونسب هذا التشديد إلى تميم وقيس وأسد، أما التخفيف فنسب إلى قريش"، ومثل هذه السمة هناك سمات أخرى مثل: إعراب المثنى والملحق به بالألف رفعا ونصبا وجرّا، وصرف ما لا ينصرف، وغيرها(الواسطي، 2004م، 1/68).
البحث في اللغة العربيّة
إن دراسة اللغة العربية قد مرت بمراحل متعددة منذ ما يمكن تسميته بنشاة الدراسات اللغوية عند العرب، فقد كانت دراسة العربية في نشأتها مرتبطة بدراسة القرآن الكريم والحديث النبويّ، بوصفها علاجًا لظاهرةٍ كان يُخشى منها على اللغة وعلى القرآن وهي "اللحن" (حسان، اللغة العربية معناها ومبناها، 2006م، ص 12)، بينما برزت ظاهرة دراسة غريب الحديث الشريف كرافدٍ آخر من روافد الاهتمام بدراسة اللغة العربية، إلى جانب بروز ظاهرة "التدوين العلمي" (أبو سكين، 1431هـ، ص 18)، مما أسهم في تشكل دراسات اللغة العربية وتوسعها وتعدد أصنافها، ويمكن القول بأن المنهجية التي كانت متبعة في دراسة اللغة العربية في بدايتها قامت على الأسس الآتية:
- منهج السماع والرواية، فقد ارتحل اللغويون لجمع اللغة من المتحدثين الآصليين في بوادي العربية حرصا على سماعها من العرب الذي لم تخالط ألسنتهم غير العرب، فكتن السماع هو مصدر اللغة الأول في جمع اللغة وتوثيقها، وهذا ما يفسره قول اللغويين في توثيق استنتاجاتهم بأن ذلك مما ورد عن العرب.(ابن جني، 1431هـ، 3/114).
- المنهج الاستقرائي الوصفي، ويتمثل في عملهم في تتبع اللغويين للشواهد اللغوية واستقراء أمثلتها، ثم استنباط القواعد العامة منها، بحيث تأسست قواعد العربية على وصف الاستعمال اللغوي وتحليل ظواهره قبل تقعيدها في صورة أحكام كلية، فالنحاة لم يبدأوا بالقاعدة ثم يبحثوا لها عن أمثلة، بل بدأوا بالشواهد ثم استخرجوا منها القواعد (بركات، 2017، ص 116).
- منهج القياس، وفيه يقول ابن الأنباري: "أدلة النحو ثلاثة: نقلٌ وقياس واستصحاب حال"، و قال ابن جني في الخصائص: " أدلة النحو ثلاثة: السماع، والإجماع، والقياس"، (السيوطي، 1989م، ص 26)، ويقوم القياس على حمل غير المنقول عن العرب على المنقول عنهم، وقد رست نظرة اللغويين إلى القول بأن أكثر اللغة العربية هي القياس، يقول السيوطي: "اعلم أن إنكار القياس في النحو لا يتحقق؛ لأن النحو كله قياس" (السيوطي، 1989م، 179)
- منهج التعليل، وقد برز بوصفه ظاهرة في الدراسات اللغوية كمرحلة متقدمة وضرورية لتقديم تفسير للظواهر اللغوية التي يؤطرونها، ويُعد الزجاجي من أوائل من أفرد العلل النحوية بالتأليف في كتابه (الإيضاح في علل النحو)، ومبدأ التعليل يقوم على البحث عن الأسباب التي دعت العرب إلى استعمال صورة لغوية دون أخرى، أو إلى إقرار حكم نحوي معين، بقصد الكشف عن الحكمة الكامنة وراء الظاهرة اللغوية وتفسيرها، ومن ثم لم يقتصر النحاة على وصف الظواهر اللغوية وتقعيدها، بل سعوا إلى تفسيرها وربط جزئياتها بأصول كلية تكشف انتظام اللغة واتساقها (حسان، الأصول، 2000م، ص 161 وما بعدها).
ويمكن القول إن تطور الدرس اللغوي العربي واتساع مادته العلمية قد أسهما في تمايز علوم اللغة واستقلالها التدريجي؛ فقد كانت قضايا الأصوات والصرف والنحو والدلالة والبلاغة متداخلة في المؤلفات اللغوية الأولى، ثم أخذت تستقل بموضوعاتها ومصطلحاتها مع اتساع حركة التأليف وازدياد الحاجة إلى التخصص العلمي، ويشير شوقي ضيف إلى أن الدراسات اللغوية العربية تطورت من معالجة عامة لقضايا اللغة إلى علوم متخصصة لكل منها موضوعه ومنهجه (شوقي ضيف، المدارس النحوية، ص 13 – 20).
تحدّيات أمام اللغة العربية
إن إضافة مصطلح تحديات إلى اللغة العربية لا ينطلق من زاوية تهديد وجود اللغة العربية بذاتها، فهي لغة اكتسبت خلودها الحيوي بارتباطها بالقرآن الكريم، وقد قال الله تعالى عنه: (وإن لذكر لك ولقومك)، فبه ارتفعت العربية وارتفع شأن العرب، إذن! لماذا يُضاف هذا المصطلح إلى اللغة العربية؟
يُمكن القول بأن اللغات في عمومها تحتاج إلى استمرارية في الاستعمال لضمان بقائها ضمن دائرة الحيوية المنشودة، والهذه الحيوية المنشودة تستند إلى بقاء أصول وقواعد اللغة قائمة في الاستعمال وقادرة على استيعاب هذه اللغة للمستجدات الحيوية التي يعيشها الإنسان، فليس معنى حياة اللغة هو بقاؤها في الاستعمال فحسب، بل ينبغي أن تكون قادرة على مجاراة التطور الاجتماعي الذي يمر به الإنسان، فاللغة مصاحبة لهذا الإنسان في جميع أحواله، وبيئاته، وإذا عجز لسانه عن التعبير عن حاجة من حاجاته فستحل لغة أخرى محل لسانه ليكون الصورة التب تعبر عن ذلك الغرض، وهذا ما عبر عنه (ابن جني) عندما وصف اللغة بأنّها (أصوات يعبر بها كل قوم عن اغراضهم).
ويمكن صياغة تعريف عام لمفهوم التحديات التي تواجه اللغة العربية بأنها: " جملة العوامل والظروف الداخلية والخارجية التي تؤثر في مكانة اللغة العربية أو تحد من قدرتها على أداء وظائفها العلمية والثقافية والتواصلية، سواء أكانت تحديات تعليمية أم ثقافية أم تقنية أم اجتماعية"، وقد تناولت الدراسات المعاصرة هذه التحديات من زوايا متعددة، فركز بعضها على التحديات التعليمية، بينما اهتم بعضها الآخر بالتحديات التقنية والرقمية أو بالتحديات الثقافية الناتجة عن العولمة، ولعل أبرز ما يظهر من تحديات أمام اللغة العربية ما يأتي:
يُمكن القول بأن اللغات في عمومها تحتاج إلى استمرارية في الاستعمال لضمان بقائها ضمن دائرة الحيوية المنشودة، والهذه الحيوية المنشودة تستند إلى بقاء أصول وقواعد اللغة قائمة في الاستعمال وقادرة على استيعاب هذه اللغة للمستجدات الحيوية التي يعيشها الإنسان، فليس معنى حياة اللغة هو بقاؤها في الاستعمال فحسب، بل ينبغي أن تكون قادرة على مجاراة التطور الاجتماعي الذي يمر به الإنسان، فاللغة مصاحبة لهذا الإنسان في جميع أحواله، وبيئاته، وإذا عجز لسانه عن التعبير عن حاجة من حاجاته فستحل لغة أخرى محل لسانه ليكون الصورة التب تعبر عن ذلك الغرض، وهذا ما عبر عنه (ابن جني) عندما وصف اللغة بأنّها (أصوات يعبر بها كل قوم عن اغراضهم).
ويمكن صياغة تعريف عام لمفهوم التحديات التي تواجه اللغة العربية بأنها: " جملة العوامل والظروف الداخلية والخارجية التي تؤثر في مكانة اللغة العربية أو تحد من قدرتها على أداء وظائفها العلمية والثقافية والتواصلية، سواء أكانت تحديات تعليمية أم ثقافية أم تقنية أم اجتماعية"، وقد تناولت الدراسات المعاصرة هذه التحديات من زوايا متعددة، فركز بعضها على التحديات التعليمية، بينما اهتم بعضها الآخر بالتحديات التقنية والرقمية أو بالتحديات الثقافية الناتجة عن العولمة، ولعل أبرز ما يظهر من تحديات أمام اللغة العربية ما يأتي:
- ضعف حضور العربية في التعليم العالي، وهذا واضحٌ في كثير من التخصصات العلمية التي تفرض أن تكون لغة التعليم فيها باللغة الإنجليزية، وليس من سبيل لحل هذه المعضلة سوى السعي الجاد لدعم التعريب، وتطوير المناهج، وزيادة تدريس العلوم بالعربية، علمًا بأن ثمة تجارب عملية حاصلة في هذا الشأن في بعض البلاد العربية.
- ضعف البرمجيات اللغوية والمعالجة الحاسوبية، ويقصد بذلك محدودية الأدوات التقنية القادرة على تحليل اللغة العربية وفهمها ومعالجتها آليًا مقارنة ببعض اللغات العالمية الأخرى، الأممر الذي ينعكس على جودة تطبيقات الترجمة الآلية والتدقيق اللغوي والبحث الإلكتروني والذكاء الاصطناعي المعتمد على اللغة العربية، ويمكن تذليل هذا التّحدي من خلال تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي والمعالجة الحاسوبية الخاصة بالعربية.
ومن أبرز الدراسات التي تناولت هذه التحديات ما يأتي:
- عبد السلام المسدي – اللغة العربية والتحديات الجديدة – 2005م
- بشير داود سليمان – اللغة العربية والتحديات المعاصرة – 2010م
- سلوى إدريس بابكر علي – سيادة اللغة العربية على اللغة الإنجليزية وتحديات العصر الحديث – 2018م
- الشارف لطروش – اللغة العربية والتحديات المعاصرة – 2019م
- نايلة يونس – اللغة العربية والتحديات الراهنة – 2020م
- زهراء علي دخيل – التحديات المعاصرة للغة العربية –2021م
- عباس حيروقة – اللغة العربية: ميزات، واقع، تحديات –2022م
مقترحات لدعم اللغة العربية
وقد قدمت تلك الدراسات مجموعة من الحلول لمواجهة ما يُمكن أن يكون من التحديات أمام اللغة العربية، ويمكن إجمالها على النحو الآتي:
- تطوير تعليم العربية.
- دعم التعريب والترجمة.
- تعزيز البحث العلمي بالعربية.
- توسيع المحتوى الرقمي العربي.
- تطوير البرمجيات والمعالجة الحاسوبية للعربية.
- تفعيل دور مجامع اللغة العربية.
- بناء سياسات لغوية وطنية واضحة.
- ربط العربية بمتطلبات المعرفة والتقنية الحديثة.
وختامًا، يمكن القول بأن العربية لم تكن مجرد أداة للتواصل بين أبنائها، بل كانت وعاءً للمعرفة ووسيلةً لنقل العلوم وحفظ التراث وبناء الحضارة. وقد استطاعت عبر تاريخها الطويل أن تستجيب لتحولات متعددة وأن تحافظ على مقوماتها الأساسية رغم ما واجهته من متغيرات سياسية وثقافية واجتماعية، وإذا كانت الدراسات المعاصرة قد رصدت جملة من التحديات التي تواجه العربية في مجالات التعليم والتقنية والثقافة، فإن هذه التحديات لا تمس جوهر اللغة ولا تنال من قدرتها على الاستمرار، وإنما ترتبط بدرجة توظيفها في حياة المجتمع ومؤسساته العلمية والثقافية، فاللغة بطبيعتها كائن اجتماعي يزدهر بالاستعمال ويتراجع بالإهمال، وكلما اتسعت مجالات حضورها ازدادت قدرة على أداء وظائفها والتعبير عن حاجات أهلها.
ومن هنا فإن المحافظة على اللغة العربية لا تتحقق بمجرد الدعوة إلى التمسك بها، بل تحتاج إلى جهود علمية ومؤسسية متواصلة تعزز حضورها في التعليم والبحث العلمي والبيئة الرقمية، وتربطها بحاجات الإنسان المعاصر ومتطلبات التنمية والمعرفة، فالعربية بما تحمله من رصيد حضاري وثقافي، وبما تتمتع به من مرونة وقدرة على الاستيعاب والتجدد، ما تزال قادرة على مواصلة عطائها الحضاري.
ومن هنا فإن المحافظة على اللغة العربية لا تتحقق بمجرد الدعوة إلى التمسك بها، بل تحتاج إلى جهود علمية ومؤسسية متواصلة تعزز حضورها في التعليم والبحث العلمي والبيئة الرقمية، وتربطها بحاجات الإنسان المعاصر ومتطلبات التنمية والمعرفة، فالعربية بما تحمله من رصيد حضاري وثقافي، وبما تتمتع به من مرونة وقدرة على الاستيعاب والتجدد، ما تزال قادرة على مواصلة عطائها الحضاري.

تعليقات
إرسال تعليق