التخطي إلى المحتوى الرئيسي
جديد المدوّنة
  • جارِ تحميل أحدث المقالات…

اختبار تحديد مستوى اللغة العربية

اختبار تفاعلي من أسئلة اختيار من متعدد لتحديد مستوى المتقدم في اللغة العربية.

اختيار من متعدد

نحو قراءة تداولية للاشتراك الصرفي في العربية









بقلم | د. عبدالكريم عبدالقادر اعقيلان

يكشف مفهوم الاشتراك الصرفي عن طبيعة التفاعل بين الشكل والمعنى في اللغة العربية. فلا يمكن النظر إلى البنية الصرفية على أنها قالبٌ جامد تُصبّ فيه المعاني صبًّا، بل هي نسق حيّ تتحرك فيه الصيغ، وتتبدّل وظائفها بحسب المقام الذي ترد فيه. والصرف في جوهره ليس علمًا يقتصر على ضبط الأبنية وتحليل اشتقاقها، وإنما هو مجال دلاليّ أيضًا، يُسهم في بناء المعنى وتوجيهه ضمن النظام العام للغة. والبنية في العربية لا تعمل بوصفها وزنًا صوتيًّا ذا وظيفة واحدة محددة، بل تؤدي دورًا في توليد الدلالة. والمقصود بالتوليد هنا قدرة البنية على إنتاج المعنى وتنويعه، لا التوليد بمفهومه في النحو التوليدي. وبذلك تتيح البنية للغة أن تعبّر عن طيفٍ واسعٍ من الدلالات دون أن تخرج عن حدود النظام.

ويقوم الاشتراك الصرفي على وجهين متكاملين:

  • الأول ما أسمّيه الاشتراك البنيوي، وهو أن تتعدد المعاني في البنية الصرفية الواحدة.
  • والثاني الاشتراك الدلالي، وهو أن تتعدد الأبنية الصرفية الدالة على معنى صرفي واحد.

وقد يُعبَّر عن الوجه الثاني في الدرس الصرفي بتناوب الصيغ أو تعاقب الأبنية. غير أنّ مصطلح الاشتراك الدلالي أدلّ على المقصود هنا؛ لأنه يجعل الوجهين من باب واحد: تشترك البنية في المعاني في الأول، وتشترك الأبنية في المعنى في الثاني. وكلاهما آلية يقوم عليها النظام العربي في توليد الدلالة.

ففي الاشتراك البنيوي تتجلّى مرونة البنية، إذ تستطيع أن تعبّر عن معانٍ متقاربة أو متباينة بحسب السياق. ومن أمثلته:

  • بنية (فعّال): تدلّ تارة على المبالغة، نحو: غفّار وكذّاب، وتارة على النسب إلى الحرفة، نحو: نجّار وعطّار.
  • بنية (مَفْعَل): تصلح للمصدر الميمي ولاسمي الزمان والمكان، نحو: مَخْرَج ومَقام.
  • بنية اسم المفعول من غير الثلاثي: تصلح لاسم المفعول وللمصدر الميمي ولاسمي الزمان والمكان، نحو: مُستخرَج ومُنطلَق.

أما في الاشتراك الدلالي فيظهر غنى النظام الاشتقاقي الذي يسمح لأكثر من بناء أن يؤدي المعنى الصرفي نفسه. ومن ذلك اشتراك (فَعِيل) و(فِعْل) و(مفعول) في الدلالة على المفعول، نحو: قتيل ومقتول، وذِبْح بمعنى مذبوح. فالتعدد هنا ليس اضطرابًا في الدلالة، بل هو توسّع في طاقة التعبير، ينظمه السياق ويضبطه المقام. ومن ثَمّ يمكن القول إنّ العربية تتيح للمبنى أن يتحرك وفق مقتضيات المعنى، دون أن يفقد صلته بأصله الصرفي.

والعلاقة بين الصرف والدلالة علاقةُ تلازم: فالمعنى لا ينفصل عن الصيغة، والصيغة لا تكتمل إلا بالمعنى. والوزن يحدد الإطار العام للدلالة، لكنّ السياق هو الذي يمنحها خصوصيتها. ولذلك كانت دراسة البنية الصرفية من غير نظرٍ في دلالتها ضربًا من التجريد الذي يُفقد اللغة روحها.

وتُبرز ظاهرة الاشتراك الصرفي هذا التلازم على نحو واضح، وتكشف عن ميل العربية إلى الاقتصاد في الوسائل مع الاتساع في الغايات؛ إذ يمكن لبنية واحدة أن تؤدي أكثر من وظيفة، ويمكن لأكثر من بنية أن تلتقي عند وظيفةٍ واحدة. وليس معنى ذلك أنّ اللبس لا يقع، فهو يقع في البنية المشتركة إذا جُرّدت من سياقها، ثم ترفعه القرائن. وهذا ما نبّه عليه تمام حسان حين تحدّث عن تعدد المعنى الوظيفي للمبنى الواحد، وجعل القرائن هي التي تعيّن المعنى المراد في السياق.

وإذا أُسقط هذا التحليل على المعجم، اتضح أن ما يجري في الصرف يجري فيه أيضًا. فالعلاقة بين الاشتراك البنيوي والاشتراك الدلالي في الصرف تقابل العلاقة بين المشترك اللفظي والترادف في المعجم:

  • كما يقوم المشترك اللفظي على وحدة اللفظ وتعدد المعاني، يقوم الاشتراك البنيوي على وحدة البنية وتعدد الوظائف.
  • وكما يقوم الترادف على تعدد الألفاظ لمعنى واحد، يقوم الاشتراك الدلالي على تعدد الأبنية لوظيفة صرفية واحدة.

وهذه المقابلة ليست تماثلًا تامًّا، لكنها تكشف عن وحدةٍ في آلية التفكير اللغوي العربي، الذي يعيد إنتاج الظواهر في مستوياته المختلفة على نسقٍ واحد من التوازن بين الوحدة والتعدد.

وليس المقصود من الاشتراك الصرفي التكرار أو الازدواج، بل التوليد، أي قدرة البنية على إنتاج الدلالة وفق حاجات السياق.

فحين تتعدد الأوزان لمعنى صرفي واحد، لا يعني ذلك أنها متطابقة تمام التطابق، بل يدلّ على دقّة الحسّ العربي في التفريق بين درجات المعنى وظلاله. ومن ذلك: ضارِب وضرّاب وضَروب ومِضراب، فكلها تدل على من قام بالفعل، لكن الأول يدل على مجرد الحدث، وما بعده يدل على الكثرة والمبالغة على تفاوت بينها. فالاشتراك الدلالي إذن اشتراك في المعنى الصرفي العام لا في كل ظلاله، وهذا ما يمنح المتكلم سعة في الاختيار.

وحين تتعدد المعاني في بناءٍ واحد، يشير ذلك إلى وعيٍ بالاقتصاد اللغوي، إذ يكفي أن يتغيّر موقع الكلمة في التركيب ليتحوّل معناها دون حاجة إلى صيغة جديدة. فـ(مُختار) في قولنا: «زيدٌ مُختارٌ أصدقاءَه بعناية» اسم فاعل، دلّ عليه نصبُ المفعول به بعده. وهي في قولنا: «زيدٌ مُختارٌ من بين المتقدمين» اسم مفعول.

ويتجاوز الأمر حدود السياق اللغوي إلى المقام التداولي. فاختيار المتكلم بنيةً دون أخرى مما يشترك معها في المعنى الصرفي ليس اختيارًا محايدًا، بل يصدر عن قصدٍ يريد إيصاله إلى المخاطَب. ومن ذلك:

  • العدول عن (ضارب) إلى (ضرّاب) قد يكون مدحًا في مقام الحرب وذمًّا في مقام آخر.
  • العدول عن (مقتول) إلى (قتيل) قد يُشعر بثبوت الوصف ولزومه.

وفي هذا يلتقي الدرس الصرفي بما قرره البلاغيون من مطابقة الكلام لمقتضى الحال؛ فالمقام هو الذي يرجّح البنية المناسبة، والمتكلم يستثمر سعة النظام ليبلغ قصده. ومن هنا كانت القراءة التداولية للاشتراك الصرفي قراءةً تنظر إلى البنية من جهة استعمالها، لا من جهة وصفها المجرد في كتب الصرف.

ولا تنفصل هذه الرؤية عمّا قررته اللسانيات الحديثة حين نظرت إلى اللغة بوصفها شبكةً من المستويات المتفاعلة، لا كياناتٍ منفصلة: فالبنية الصوتية تؤثر في الصرف، والصرف يؤثر في النحو، والدلالة تتولّد من هذا التفاعل المستمر. ولذلك لا يمكن دراسة الصرف في عزلةٍ عن الدلالة؛ لأن البنية في ذاتها لا معنى لها إلا بما تؤديه من وظيفةٍ في السياق.

ويتبيّن من خلال ما سبق أن الاشتراك الصرفي ليس خللاً في النظام ولا تكرارًا فيه، بل هو من وسائل العربية في توليد المعنى. ويظهر في وجهين: بنية واحدة لمعانٍ متعددة، وأبنية متعددة لمعنى صرفي واحد مع تفاوت في ظلاله. وكلا الوجهين يحتاج إلى السياق ليتعيّن المعنى، وإلى المقام ليُفهم سبب اختيار البنية. وبذلك تبدو الأوزان أطرًا دلالية مرنة لا رموزًا جامدة، ويبدو الصرف علمًا متصلًا بالاستعمال؛ فالبنية لا تكرّر نفسها عبثًا، والمعنى لا يتشتّت في فراغٍ من الألفاظ.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الميزان الصرفي في العربية

بقلم د. عبد الكريم عبدالقادر اعقيلان           متخصص في الدراسات اللغوية   يُعَدُّ الميزان الصرفي من أهم الوسائل التي اعتمدها علماء العربية في دراسة بنية الكلمة، والكشف عن أصولها، وتحديد ما يطرأ عليها من تغيّرات بالزيادة أو الحذف أو الإبدال أو تغيير مواقع الحروف، وتظهر أهميته في أنه يتيح للدارس ردَّ الكلمات إلى أصولها، والتمييز بين حروفها الأصلية والزائدة، وبيان ما أصاب صورتها اللفظية من تغيّر، ولا يقف عمله عند مقابلة حروف الكلمة بحروف الميزان، بل يتجاوز ذلك إلى بيان العلاقة بين الصورة الأصلية للكلمة وصورتها التي استقر عليها الاستعمال، وقد أقام علماء الصرف هذا الميزان على قواعد محددة، تقوم في أساسها على مقابلة الحروف الأصلية للكلمة بأحرف الميزان، مع مراعاة ما يلحق بنيتها من تغيّرات، ومن هنا، فإن فهم الميزان الصرفي يقتضي النظر في ثلاثة أمور مترابطة، هي:  1. أصول الكلمة  2. التغيّرات التي تطرأ على تلك الأصول...

القبائل الّتي يُحتجّ بلغتها في أصول العربيّة

بقلم: الدكتور عبدالكريم اعقيلان عناصر الموضوع: - سبب تحديد القبائل الّتي يُحتجّ بلغاتها. - تحديد القبائل الّتي يُحتجّ بلغاتها. - تداخل عنصريّ الزّمان والمكان في الاحتجاج اللّغويّ. - تحديد القبائل الّتي لم يُحتجّ بلغاتها. المراجع: - الفارابي : الألفاظ والحروف - السيوطي : الاقتراح - السيوطيّ: المزهر - ابن جنّي: الخصائص - محمّد عبده فلفل: اللّغة الشّعريّة عند النّحاة - مصطفى الرّافعيّ: تاريخ آداب العرب ***** أولاً: سبب تحديد القبائل الّتي يُحتجّ بلغاتها: تدخل قضيّة القبائل الّتي يُحتجّ بلغاتها في أصول اللّغة من كونها المستند الّذي يعتمده اللّغويّون في تقعيد اللّغة، أو وضع القاعدة اللّغويّة، والكلام المُتداول هو المسرح الّذي استمدّ منه اللّغويّون شواهدهم اللّغويّة، وهو مساحةٌ كبيرة من شرائح المجتمع، الّذي تدور اللّغة في فلكه، وتنشأ في أحضانه. وقد كان السّبب الرّئيس لتحديد هذه القبائل مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بخدمة القرآن الكريم، وهو الكتاب المبين الّذي نزل بلسان العرب ولغتهم، وقد ترتّب على هذا الأمر أن يحرص اللّغويّون على اختيار المستوى ال...

فقه اللّغة عند ابن فارس والثّعالبيّ – أبعاده ومفهومه

فقه اللّغة عند ابن فارس والثّعالبيّ – أبعاده ومفهومه  بقلم/ الدّكتور عبد الكريم عبد القادر اعقيلان  يُعدّ مفهوم (فقه اللغة) من المفاهيم الأساسيّة في الدّراسات اللّغويّة، وقبل تعريف هذا المفهوم، يسترعي الانتباه مجموعة من المؤلّفات التي عُنونت به لتشكّل مصطلحًا يعتلي صفحات الكتب، ومن أشهر المؤلّفات القديمة الصّريحة في هذا الباب: كتاب الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، لابن فارس (395هـ)، وكتاب فقه اللغة وسر العربية، لأبي منصور الثّعالبيّ (429هـ)، وسأعرض لهذين المؤلّفين مبيّنًا أبعاد فقه اللّغة بحسب ما أورده كلٌّ منهما في كتابه، وصولاً إلى تحديد المقصود من فقه اللّغة وفق رؤية كلّ منهما.  الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، لابن فارس (395هـ)  جمع ابن فارس في هذا الكتاب جملة من المسائل اللّغوية، يُمكن تصنيفها كالآتي:  أوّلاً: الفلسفة اللّغويّة  فقد تناول مجموعة من المسائل التي تندرج تحت ما يُمكن وصفه بالفلسفة اللّغويّة، كالحديث عن نشأة اللّغة، ورأيه في أنّها توقيفيّة، وما ذهب به إلى تفضيل العربيّة على سائر اللّغات،...