الجمعة، 18 أكتوبر 2019

داهمنا الوقت ...


داهمنا الوقت ...
بقلم/ عبدالكريم اعقيلان


إنّه زمنٌ محدود...
زمنٌ تفوقُ حدودُه الآفاقَ بحركةٍ دائبة، تتداخل فيها الأماكنُ والأحداثُ بصورةٍ دراميّة بَطُلَها ذلك الإنسانُ الذي يحاول أن يُمسكَ بزمامه، لكنّه سُرعانَ ما يُدركُ عدم جدوى إيقافه؛ لأنّ إيقافه يعني خروجه من هذه الحياة...
يقود هذا الإدراكُ الإنسانَ إلى مسابقة الزّمن ومواكبة التّغيّرات، ليوجد لنفسه مكانًا مستقرًّا في المضمون لا في الشّكل؛ ذلك أنّ الاستقرار الشّكليّ لا يعني التّقدّم أو التّطوّر، بل هو الوهم الذي يَغُرُّ الإنسانَ ويبثُّ فيه روح التّراخي، في حين أنّ الاستقرار في المضمون هو الاستقرار الحقيقيّ لما يشتمل عليه من إنتاجٍ وثمارٍ تُلمَسُ آثارها فائدةً تعود بالنّفع على واقعه ومستقبله...
إنّ بروز الشّيب في الرأس يمكن إخفاؤه بأروع الصّبغات التي تُعيد للشّعر رونقه... وتجاعيد الوجه يمكن إزالتها بأحدث عمليّات التّجميل التي تُعيد له نضارته... ولكنّ هذه العلاجات لا تُعيدُ للإنسان أيّامَه التي تمضي... وعمرَه الذي ينقضي... ولا تستطيع تغيير تاريخ ميلاده، فضلاً عن إطالة عمره المسطّر في الكتاب المكنون...
إنّه غنيمةٌ...
الشّباب يتحوّل هرمًا... والغنى يستحيلُ فقرًا... والصّحّة تنقلبُ سقمًا...  والفراغُ يمتلئُ شُغلاً... والحياة تنتهي موتًا... ويجري كلُّ نقيضٍ من هذه النقائض بوقت يلائم ظروفها ومتطلباتٍ تستدعي تحقيق أكبرِ قدرٍ من الإنجاز الذي يمكنُ تحقيقُه...
تزدحم الأعمال في مخيّلة الإنسان، وتدخل في تنافسٍ مع رغباته... ويأتي تقدير الأولويّات ضمّن سلّم من الأحكام التي تُعِيرُ الوقت أهمّيّةً لتحديد أيّ الأمرين أولى بالشّروع فيه، وهو تحدٍّ يدفع إلى محاولة الجمع بين الأعمال والرّغبات لتحقيق الانسجام في الأداء، والتّوازن أثناء مرور الوقت، الأمر الذي يحول دون السّقوط المفضي إلى ضعف التّسارع مع الزمن الذي يجري دون توقّف...
زمنٌ عصيٌّ على تقدير ثمنه، على الرّغم من أنّه بين يدي الجميع، والكلّ يسبحُ في حركته... إلاّ أنّه ليس بسلعةٍ تُبَاع وتُشْتَرَى...فلا تكادُ تجدُ من يملك أن يبيعك دقيقةً أو ساعةً أو يومًا... وتظهرُ قيمتُه بمقدار  الإحساس به وإدراك أهمّيّته... فتبرزُ هذه القيمة وتلك الأهمّيّة من خلال تقدير العواقب، وترقّب موسم الحصاد...
إنّه حقيقةٌ واحدةٌ...
في أوجِ اهتمام الإنسان بمواكبة الزّمن، قد يغفلُ عن مراقبة خطواته، وتقدير صوابها من خطئها، فيكونُ جلُّ اهتمامه أن يبقى مسايرًا للوقت... دون أن يُدرك أهمّيّة كلّ خطوةٍ في تحقيق التّزامن الصّحيح معه... فليس من مجاراة الزّمن أن يُثبتَ الإنسانُ أنّه لا يزال على قيد الحياة...
قد يفكّرُ الإنسان بمفهوم النّجاح بوصفه تعبيرًا عن صحّة الخطوات التي يمشيها، ولكنّ تحديد مفهوم النّجاح في ذاته ينبغي أن يكونَ صحيحًا أيضًا... ونحن هنا أمام موقفٍ تتداخلُ فيه مرجعيَّاتٌ متعدّدة التّصوّرات للخطأ والصّواب...
إنّ وصول الإنسان لإدراك حقيقة الأشياء ينبغي أن لا يستند إلى الأفكار النّاشئة من الوهم والأساطير؛ ذلك أنّ وسائل الإدراك المتاحة له تؤهّله أن يعاين الموجودات بتجرّدٍ، إلا أنّ إدراك الغيبيّات يستدعي أن يكون إحساسُه بالزّمن صادقًا... ويبقى الزّمن محتفظًا بحقيقةٍ واحدةٍ لكل شيءٍ وإن تعدّدت طرق الوصول إليها...
داهمنا الوقت ...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مدونة عُكاظ ©