التخطي إلى المحتوى الرئيسي
جديد المدوّنة
  • جارِ تحميل أحدث المقالات…

اختبارات تحديد المستوى

Google Scholar

اختبار تحديد مستوى اللغة العربية

اختبار تفاعلي من أسئلة اختيار من متعدد لتحديد مستوى المتقدم في اللغة العربية.

اختيار من متعدد

اختبار تحديد مستوى الإنتاج الشفوي باللغة العربية

اختبار تفاعلي من ست مهام متدرجة، مع تسجيل صوتي وتقييم آلي للمستوى وإصدار شهادة نتيجة في نهاية الاختبار.

A1–C2 تقييم آلي شهادة نتيجة

فقه اللّغة عند ابن فارس والثّعالبيّ – أبعاده ومفهومه


فقه اللّغة عند ابن فارس والثّعالبيّ – أبعاده ومفهومه 
بقلم/ الدّكتور عبد الكريم عبد القادر اعقيلان 

يُعدّ مفهوم (فقه اللغة) من المفاهيم الأساسيّة في الدّراسات اللّغويّة، وقبل تعريف هذا المفهوم، يسترعي الانتباه مجموعة من المؤلّفات التي عُنونت به لتشكّل مصطلحًا يعتلي صفحات الكتب، ومن أشهر المؤلّفات القديمة الصّريحة في هذا الباب: كتاب الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، لابن فارس (395هـ)، وكتاب فقه اللغة وسر العربية، لأبي منصور الثّعالبيّ (429هـ)، وسأعرض لهذين المؤلّفين مبيّنًا أبعاد فقه اللّغة بحسب ما أورده كلٌّ منهما في كتابه، وصولاً إلى تحديد المقصود من فقه اللّغة وفق رؤية كلّ منهما. 
الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، لابن فارس (395هـ) 
جمع ابن فارس في هذا الكتاب جملة من المسائل اللّغوية، يُمكن تصنيفها كالآتي: 
أوّلاً: الفلسفة اللّغويّة 
فقد تناول مجموعة من المسائل التي تندرج تحت ما يُمكن وصفه بالفلسفة اللّغويّة، كالحديث عن نشأة اللّغة، ورأيه في أنّها توقيفيّة، وما ذهب به إلى تفضيل العربيّة على سائر اللّغات، فقد قدّم فيها رؤيته للّغة العربيّة من جانبٍ فلسفيّ اعتمدَ فيها على منطلقات دينيّة استشهد بها على رؤيته للغة في هذه الجوانب، وقد تسرّب هذا البعد في ثنايا المسائل التي عرضها في كتابه، إذ كان يُشير إلى تميّز العربيّة فيها عن غيرها. 
ثانيًا: البُعد الكتابيّ والصّوتي
وهذا البعد يتجلّى في حديثه عن الخطّ العربيّ وأصل نشأته، وتناول في هذا البعد الحديث عن حروف العربيّة وإن كان تركيزه قد انصبّ على بيان وجود رسمٍ خاصّ بحروف العربيّة ومعرفة العرب لهذا الرّسم إلا أنّه أشار إلى أن الحديث عن الحروف المكتوبة يرتبط بالحديث عن الأصوات المنطوقة كما في إشاراته إلى السكون والحركة والهمز والمدّ، وهو في بيانه ذلك يبرز معرفة العرب بحروفهم وأصواتهم. 
ثالثًا: البعد المعجميّ 
وتظهر مسائل هذا الجانب في حديثه عن الإحاطة بمفردات اللغة وتعدّد طرق لفظها بما أطلق عليه تسمية (اللّغات)، وحديثه عن باب الأسماء كيف تقع على المسميات، وقد اعتمد في رؤيته في هذا البُعد على الشّواهد اللّغويّة: كالقرآن الكريم، والحديث النبويّ، والشّعر، وكلام العرب، وكان عمله هذا وصفيًّا يفسّره في بعض الأحيان. 
رابعًا: البعد الصّرفيّ 
ويشتمل حديثه في هذا الجانب على عدّة أمور، منها: أقسام الكلمة وزيادات الأسماء، ومعاني زيادة الحروف، وإشاراته لأثر الحروف في التثنية والجمع والتّصغير والنّسب، فهو في حديثه عن هذه المسائل أظهر الأثر في بنية الكلمة. 
خامسًا: البعد النّحويّ
وقد برزت مظاهر هذا البعد في حديثه عن الحروف، وقد أشار إلى أنّ هذا الحديث يرد في كتب الأصول كما وصفها، ومن ذلك حديثه عن المواقع الإعرابيّة وعلاقة ارتباط الحروف بتلك المواقع، وكذلك حديثه عن حروف المعاني، ولعل وصفه لباب هذا الحديث بأنّه من (الأصول) إشارة منه إلى أنّ النّحو في ذلك العهد يُعدُّ الأصل في توصيف أحكام اللّغة العربيّة، وارتباطاتها. 
سادسًا: البعد البلاغيّ 
وقد برز هذا البعد في حديثه عن الحقيقة والمجاز ومعاني الكلام وأقسامه التي أشار إليها كالخبر والنّهي والأمر والطلب والتّحضيض، وغيرها، وما يلفت الانتباه في كلامه أنّه أشار إلى الفرق بين رؤية (أهل اللغة) و (أهل النّظر) عند التّفريق بين هذه المعاني، ومن ذلك حديثه عن الخبر، وكأنّه يقصد بأهل النّظر أصحاب الرأي الذين يعتمدون عل العقل في تفسير المعاني، بينما يعتمد أهل اللّغة على النّقل في تفسيراتهم. 
سابعًا: البعد الدّلاليّ
ويبرز هذا البعد في حديث ابن فارس عن المسائل التي يوردها، فقد كان حريصًا على تحديد معاني الأساليب والألفاظ التي يوردها، كحديثه عن (الأسماء كيف تقع على المسميات) إذ أشار إلى الفرق بين دلالات الألفاظ وإن كانت مترادفة، فالدلالة تعد محور تفسيره لتلك المسائل. 
فقه اللغة وسر العربية، لأبي منصور الثّعالبيّ (429هـ) 
جعل الثّعالبيّ كتابه في قسمين: الأوّل (فقه اللغة)، وبالنّظر في مضمون هذا القسم يظهرُ جليًّا تبنّي الثّعالبيّ لبعدين من الأبعاد في تناول الألفاظ المفردة، أوّلهما: البعد المعجميّ وقد برز هذا البعد في تقديم تفسيرٍ للمفردات والألفاظ العربيّة ضمن أبواب متفرّقة، جعلها واحدًا وثلاثين بابًا، جمع فيها الألفاظ التي تندرج في كلّ باب ومعنى تلك الألفاظ في الاستعمال العربيّ لها، وثانيهما: البعد الدّلاليّ، وهو متضمّنٌ في تفسير الألفاظ التي أوردها في هذا القسم، وبيان مدلولها عند العرب، واختلاف الأحوال التي تردُ فيها. 
وأمّا القسم الثّاني (سرّ العربيّة) فقد جعله الثّعالبيّ في تسعةٍ وتسعين فصلاً، تناول فيه التّراكيب اللّغويّة إلى جانب الألفاظ المفردة، وما يرتبط بها من آثار دلاليّة، وبذلك؛ تنوعت الأبعاد التي اشتمل عليها هذا القسم فشملت الأبعاد النّحويّة، والصّرفيّة والبلاغيّة والدّلاليّة، مع وجود اصطلاحاتٍ خاصّة لمحتويات كلّ بعدٍ من هذه الأبعاد، ما يجعل كتابه مهمًّا للكشف عن المصطلح اللّغويّ ودلالته في تلك الأبواب. 
ومن خلال ما سبق يتبيّن ما يأتي: 
أوّلاً: يُشكّل كتاب ابن فارس نواة تأسيس الاصطلاح على مفهوم (فقه اللّغة)، وقد كانت رؤيته في هذا الكتاب تنطلق من بُعدٍ فلسفيّ في وصف اللّغة العربيّة، وهذا البعد هو ما يُميّز البحث في فقه اللّغة عن البحث في مسائل اللّغة الأخرى، فهو مع تناوله لأبعاد اللّغة التي أوردناها سابقًا، كانت رؤيته تتجّه نحو الكشف عمّا تتميّز به العربيّة في تلك الأبعاد، فيكون فهم تلك الأبعاد أساسًا للفقه في اللّغة العربيّة، ويلتقي الثّعالبيّ في كتابه بابن فارس بالرؤية العامّة لتناول الأبعاد اللّغويّة المتنوّعة، فكان تركيزه منصبًّا على ما يتميّز به العرب في استعمالهم للألفاظ والتّراكيب، ولعل هذا الاتّفاق مشتركٌ أيضًا في اختيار تسمية الكتابين فقد اشتمل الأوّل على (سنن العرب) واشتمل الثّاني على (سرّ العربيّة) فكلامهما يركّز في مضمونه على ما يخصّ العربيّة تحقيقًا للتفقّه فيها والعلم بقوانينها. 
ثانيًا: يُشكّل الكتابان خطًّا متميّزًا عن بقيّة المؤلّفات اللّغويّة السّابقة واللاّحقة لهما، وذلك في كونهما لم يتخصّصا في بابٍ لغويٍّ واحدٍ، فتنوّع الأبعاد اللّغويّة في محتوى الكتابين إضافةً إلى تحديد المنهج المتبع في بحث مسائله وتخصيصه في الكشف عن التّفرّد العربيّ فيها، ميّز الكتابين في المنهج والغاية، وعندما نتحدّث عن القرن الرّابع والخامس، فإنّنا نذكر أنّ الخطوط العامّة لمعالم اللّغة العربيّة كانت قد بدأت حدودها تتميّز، ونذكر من ذلك: أسرار البلاغة، والمفتاح في الصرف، لعبد القاهر الجرجاني (471هـ)، فعملهما يتماشى مع حركة التّميّز التي شهدتها اللّغة العربيّة في التّأليف اللّغويّ، وهو تميّزٌ في الاصطلاح وفي المنهج. 
ثالثًا: تعريف فقه اللّغة عند ابن فارس والثّعالبيّ 
يقول ابن فارس في خطبة كتابه: " إن لعلم العرب أصلا وفرعا: أما الفرع: فمعرفة الأسماء والصفات كقولنا: (رجل) و(فرس) و(طويل) و(قصير)، وهذا هو الذي يبدأ به عند التعلم، وأما الأصل: فالقول على موضوع اللغة وأوليتها ومنشأها، ثم على رسوم العرب في مخاطبتها، وما لها من الافتنان تحقيقًا ومجازًا، والناس في ذلك رجلان: رجل شغل بالفرع فلا يعرف غيره، وآخر جمع الأمرين معا، وهذه هي الرتبة العليا"، وأشار الثّعالبيّ إلى مفهوم فقه اللّغة من خلال ذكر أهمّيّة " الإحاطة بخصائصها والوقوف على مجاريها ومصارفها والتبحر في جلائها ودقائقها". وبناءً على ذلك، يمكن أن أقدّم مفهوم فقه اللّغة على أنّه: 
علمٌ بالنّظام اللّغويّ الذي تسير عليه اللّغة في جميع مستوياتها؛ لتحقيق الفهم الصّحيح لاستعمالها وطرق تأديتها ودلالة ألفاظها وتراكيبها. وبناءً على ذلك، تكون دراسة مستويات اللّغة وإدراك المؤثّرات التي تستدعي التّغييرات الحاصلة فيها بمثابة مراحل للوصول إلى الفقه في اللّغة.
وأخيرًا... 
يُشكّل مفهوم فقه اللّغة بُعدًا مميّزًا في الدّراسات اللّغويّة، ويمكن توظيف هذا البُعد في إجراء دراسات لغويّة حديثة تتّخذ من الخصائص المميّزة لكلّ لغة منطلقًا لتقديم أبحاثٍ علميّة تكشف عن التّعالقات اللّغويّة المحتملة بين الشّعوب، وتُساهم في رسم معالم خارطة الحركة اللّغويّة عبر التّاريخ...

تعليقات

  1. قراءة ثرية وممتعة للغاية، هل يرى أستاذنا أن تقديم الثعالبي للبعد المعجمي والدلالي في القسم الأول من كتابه كان استجابة لحاجة تعليمية للمولدين، في حين كانت نزعة ابن فارس أقرب إلى الدفاع الدفاعي- الإيديولوجي عن خصائص لسان العرب ضد الشعوبية؟ بورك هذا الفكر المستنير وهذه الإضاءات الماتعة.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الميزان الصرفي في العربية

بقلم/ د. عبدالكريم عبدالقادر اعقيلان يُعَدُّ الميزان الصرفي من أهم الوسائل التي اعتمدها علماء العربية في دراسة بنية الكلمة، والكشف عن أصولها، وتحديد ما يطرأ عليها من تغيّرات بالزيادة أو الحذف أو الإبدال أو تغيير مواقع الحروف، وتظهر أهميته في أنه يتيح للدارس ردَّ الكلمات إلى أصولها، والتمييز بين حروفها الأصلية والزائدة، وبيان ما أصاب صورتها اللفظية من تغيّر، ولا يقف عمله عند مقابلة حروف الكلمة بحروف الميزان، بل يتجاوز ذلك إلى بيان العلاقة بين الصورة الأصلية للكلمة وصورتها التي استقر عليها الاستعمال، وقد أقام علماء الصرف هذا الميزان على قواعد محددة، تقوم في أساسها على مقابلة الحروف الأصلية للكلمة بأحرف الميزان، مع مراعاة ما يلحق بنيتها من تغيّرات، ومن هنا، فإن فهم الميزان الصرفي يقتضي النظر في ثلاثة أمور مترابطة، هي:  1. أصول الكلمة  2. التغيّرات التي تطرأ على تلك الأصول  3. العلاقة بين الوزن الصرفي والبنية الدالة على المعنى الصرفي.   أصل الميزان الصرفي والكلمات التي تخضع له اتخذ علماء العربية من صيغة (فَعَلَ) أصلًا للميزان الصرفي، وجعلوا الفاء مقابلة للحرف الأول من أص...

رحلتي في التداول: لماذا هذا الكتاب؟

رحلتي في التداول: لماذا هذا الكتاب؟ 1. الأسباب التي دعتني إلى تأليف الكتاب: لقد بدأت القصة من تجربةٍ شخصية إذ دخلتُ سوق الفوريكس ليس كما يدخله الكثيرون، بل دخلته دخولاً محفوفًا بالمغامرة والجرأة، والتّعرّض لعقول مستثمرين لا يتعاملون بالأحاد أو العشرات أو المئات من الأرقام الماليّة، بل لا يعرفون سوى خانات الآلاف فما فوق... فما كنت أجنيه في شهر رأيته يتحقق في الفوريكس في ساعات... وما يتحقق في اثني عشر شهرًا يُمكن تحقيقه في ستّة أيّام ... هذه حقيقة وليست خيالاً... فهذا أول دافعٍ دفعني إلى نقل هذه التّجربة، لأنّني على يقين بأنّ هناك الكثير من يطمح إلى تحقيق هذه الغاية الاقتصاديّة، ولكنها ليست بالسّهولة التي سردتها عليكم. وهنا، نأتي إلى الدّافع الثّاني، وهو أنّ هذه الفئة من المستثمرين، ليسوا على درجة واحدة من الفهم والإدراك في العمل الفنّي وتحليل الأسواق الماليّة، بل بعضهم يعملون سماسرة لدى شركات التّداول ولا يفقهون شيئًا في التّحليل الفنّي، وكل ما يفعلونه هو استغلال الرغبة النّفسية لدى المتداولين الصّغار ويغرونهم بالأرباح في لحظة معيّنة ثم يفاجئونهم بحرق محافظهم الماليّة ليتقاسموها مع أ...

ماذا بعد يوم المعلم؟

بقلم/ د. عبدالكريم عبدالقادر اعقيلان يوافق الخامس من أكتوبر من كل عام اليوم العالمي للمعلم وتُقام المناسبة في أغلب المؤسسات التعليمية على صورة مألوفة، كلمات شكر، وبطاقات، وشهادات تقدير، ولا ينقص هذا الصنيع من قيمة المعلم شيئًا، غير أنه يختزل المناسبة في جانبها الرمزي، ويغفل أن أصلها وثيقة تعالج وضع المعلم المهني، أي إعداده وحقوقه وواجباته، ومن هنا تحتاج المناسبة إلى إعادة نظر في معنى تكريم المعلم نفسه. ويقتضي ذلك التمييز بين مكانتين تتجاوران في الخطاب العام وتختلفان في طبيعتهما: الأولى: المكانة الرمزية، وهي ما يستقر للمعلم في الوعي الاجتماعي من تقدير، وتظهر في الأدب والخطاب والمناسبات. و الثانية: المكانة المهنية ، وهي ما تضمنه له المؤسسة والنظام من إعداد وتدريب وعبء عمل معقول وهامش من الاستقلال في اختيار طريقته وتقويم طلابه، والجامع بينهما أن كلاًّ منهما يتصل بالأخرى، والفارق أن الأولى تُمنح بالقول، والثانية لا تتحقق إلا بالقرار والتنظيم. ولعل أشهر ما قيل في المكانة الرمزية قول شوقي: قُمْ للمعلّمِ وفِّهِ التبجيلا كادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا والبيت يستحق وقفة، فشطره الأول أمر بالقيا...