مدونة عُكاظ مدونة عُكاظ
recent

أحدث المشاركات

recent
جاري التحميل ...

السّماع والقياس - نظريّة في تعليم اللّغة الفصيحة

بقلم/ الدكتور عبدالكريم اعقيلان 

قامت دراسة اللّغة العربيّة على أصولٍ أقرّها العلماء المتقدّمون، وقد اتّفقوا على اثنين منها، هما: السّماع والقياس، واختلفوا في اعتماد أصلين آخرين هما: الإجماع، واستصحاب الأصل، وهذه الأصول الأربعة تناولها العلماء بالشّرح والتّفصيل، وتَظهرُ أهمّيّة تحديد هذه الأصول من خلال دورها في وصف ملامح معياريّة النّظام اللّغويّ العربيّ بما تفرضه من مسوّغاتٍ للقواعد اللّغويّة ومحاولة تأطير حدودها النّحويّة والصّرفيّة وحمايتها من الاندثار... 
لم تكن هذه الأصول وحدها في ميدان التّقعيد اللّغويّ، بل صاحبها ضوابط أخرى منها ما يتّصل بالزمان ومنها ما يتّصل بالمكان، ومنها ما يتّصل بالقبائل التي يصحّ أن تُعتمدُ لغتهم مستندًا لاستخلاص القواعد اللّغويّة، وهو عملٌ لافتٌ أوصل إلينا اللّغة العربيّة بمستواها الفصيح الذي يُمكّن من دراسة الآثار اللّغويّة العربيّة التي تمتدُ جذورها إلى مئةٍ وخمسين سنة قبل الإسلام، ومرورًا بالقرآن الكريم والأحاديث النّبويّة والأشعار والأمثال وما وصلنا من فصيح لسان العرب... 
تذكر الرّوايات على اختلاف مضمونها أنّ البدء بعمليّة تقعيد قواعد اللّغة العربيّة انطلق من الحرص على تجنّب الوقوع في الخطأ اللّغويّ المخالف للاستعمال والمتعارض مع القراءة الصّحيحة للقرآن الكريم إضافةً إلى مخالفة المنطق اللّغويّ للمجتمع العربيّ الذي اشتهر بالفصاحة والبلاغة فكان الوقوع في مثل ذلك الخطأ من كبائر الأخطاء، بالإضافة إلى ما أدّى إليه اتّساع دخول غير العرب في الإسلام إلى ضرورة تعليمهم لغة القرآن وحفظ مكانتها في الاستعمال والدّلالة... 
ومن جانب آخر، يظهرُ أنّ اللّغويّين أدركوا أثر حركة التطّوّر اللّغويّ وما ينتج عنها من تغييرات في اللّسان العربيّ على صعيد الألفاظ والأساليب والدّلالة، مما جعل من أهمّيّة تحديد معالم تلك اللّغة الفصيحة ضرورةً ملحّة لإبقاء التّواصل اللّغويّ وفق ذلك المستوى الفصيح الذي يفتخرون به، ويُمكن أن نستخلص من تلك الجهود منهجًا تعليميًّا عمليًّا في الحفاظ على المستوى اللّغويّ الفصيح في مختلف أشكال الاستعمال، من خلال العناصر الآتية: 
أوّلاً: توفير النّصوص العربيّة الفصيحة لمختلف عصور الأدب وتنوّع أشكالها الفنّيّة 
ويبرز هذا العنصر في عمل اللّغويّين بتتبّعهم لمواطن العرب الفصحاء وتحديدهم للعصور الزّمنيّة للسّماع منهم والقياس على كلامهم الذي تستخلص منه قواعد اللّغة؛ فهذا مؤشّرٌ لأهمّيّة متابعة أولئك العلماء في دراسة الآثار اللّغويّة ذات المستوى الفصيح الذي نرغب في الوصول إليه.
ثانيًا: إبراز الأساليب اللّغويّة وممارسة الأداء اللّغوي في ضوء مهارات اللّغة الأربعة
وقد ظهر هذا الملمح في عمل اللّغويّين من خلال دراستهم لطرق التّعبير عن المعاني وبيان أشكال التّغيير في أداء تلك الأساليب ضمن حدود المسموع من كلام العرب الفصحاء وتنوّع بيئاتهم، وما يتّصل بذلك من اختلافاتٍ تركيبيّة وتنوّع دلالات الألفاظ، وقد كان السّماع والقياس حاضرين في بيان هذه الأساليب وتقعيد أحكامها.
ثالثًا: معالجة الأخطاء اللّغويّة بتحديدها وتحرّي الصّواب في الاستعمال 
وأدّى هذا العنصر دوره في منح المجتمع في ذلك الزّمان سلطته في رفض الأداءات اللّغويّة التي لا تتّصل به، مع حفظ حقوق خصوصيّة التّنوّع الاجتماعي وتعدّد لهجاته، إلاّ أنّ خروج الأداء اللّغويّ إلى حيّز السّعة التّواصليّة فرض حكمه في ضرورة تبنّي مستوًى لغويّ فصيح، فكان شعارهم (هكذا قالت العرب) شهادةً لأهمّيّة متابعتهم في الكلام والقياس عليه ما قاسوا عليه. 
رابعًا: إشاعة روح الوعي بأهمّيّة امتلاك أدوات اللّغة على الصّعيد الشّخصيّ والقوميّ والدّينيّ 
وقد اهتمّ اللّغويّون بهذا العنصر بمبادرتهم لتقعيد اللّغة في ظلّ التّوسّع الحضاريّ للعرب وما يستدعيه ذلك التّوسّع من ضرورة تعلّم قواعد اللّغة والحفاظ على المستوى الفصيح في أدائها، وكذلك كان السّماع والقياس أصلين من أصول تقعيد تلك القواعد. 
ومن هنا؛ يمكن القول إنّ أصلي السّماع والقياس جزءان أصيلان في تقعيد اللغة العربيّة وتعليمها أيضًا، فالسّماع الذي يُقصد به: الكلام المنقول عن العرب الفصحاء، هو فاتحةُ التّواصل والاحتكاك بمستويات اللّغة الفصيحة، ويؤدّي دورًا في تنمية الجانب التّعليمي للغة على صعيد تنمية القدرات الذّهنيّة والقدرة على ممارسة التّفكير اللّغوي وفق تلك المستويات الفصيحة، ولعلّ نظريّات التّعليم الحديثة قد أكّدت أولى مهارات اللّغة التي يتعلّمها الإنسان هي مهارة الاستماع... 
ويأتي دور القياس في ضمان توليد التّراكيب والألفاظ وفقًا للأساليب والأبنية اللّغويّة الفصيحة والصّحيحة، وهو يرتبط بإدراك القاعدة اللّغويّة التي استخلصت لضبط تلك التّراكيب أو الألفاظ وتمثّلها في الممارسة اللّغويّة، وهو دورٌ تكامليّ مع السّماع، بما يحدثانه من أثرٍ ذهنيّ ينمّي القدرة اللّغويّة الكامنة في العقل البشريّ ويطابقان بين هذه القدرة وقواعد النّظام اللّغويّ؛ لتظهر الممارسة اللّغويّة في حدود الصّواب الاستعماليّ الذي ينعكس على نجاح عمليّة التّواصل والتّعبير اللّغويّ...
*****

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

مدونة عُكاظ

2020