جديد

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 18 فبراير، 2014

"وطاوي ثلاثٍ" بين القصّة والقصيدة

قصيدة الكرم

      تعريف بالشاعر
هو جرول بن أوس بن مالك العبسي (45هـ)، كنيته أبو مليكة، ولقبه الحطيئة، شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، كان هجاءً عنيفاً، لم يكد يسلم من لسانه أحد، وهجا أمه وأباه ونفسه، وأكثر من هجاء الزبرقان بن بدر، فشكاه إلى عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فسجنه عمر- رضي الله عنه- بالمدينة، فاستعطفه بأبيات، فأخرجه ونهاه عن هجاء الناس. (مصدر التعريف بالشاعر: الموسوعة الشعرية- هيئة أبو ظبي)
      نص القصيدة:
وَطاوي ثَلاثٍ عاصِبِ البَطنِ مُرمِلٍ
بتيهاءَ لَم يَعرِف بِها ساكِنٌ رَسما
أَخي جَفوَةٍ فيهِ مِنَ الإِنسِ وَحشَةٌ
يَرى البُؤسَ فيها مِن شَراسَتِهِ نُعمى
وَأَفرَدَ في شِعبٍ عَجُوزاً إِزاءها
ثَلاثَةُ أَشباحٍ تَخالُهُمُ بَهْما
حفـاة عراة ما اغتذَوا خبـزَ ملةٍ
ولا عرفوا للبر مذ خلقـوا طعما
رَأى شَبَحاً وَسطَ الظَلامِ فَراعَهُ
فَلَمّا بَدا ضَيفاً تَسوَّرَ وَاِهتَمّا
فقال: هيا رباه ضيفٌ ولا قِــرى
بحقك لا تحرمه تالليلة اللحمـا
وَقالَ اِبنُهُ لَمّا رَآهُ بِحَيرَةٍ:
أَيا أَبَتِ اِذبَحني وَيَسِّر لَهُ طُعما
وَلا تَعتَذِر بِالعُدمِ عَلَّ الَّذي طَرا
يَظُنُّ لَنا مالاً فَيوسِعُنا ذَمّا
فَرَوّى قَليلاً ثُمَّ أَجحَمَ بُرهَةً
وَإِن هُوَ لَم يَذبَح فَتاهُ فَقَد هَمّا
فَبَينا هُما عَنَّت عَلى البُعدِ عانَةٌ
قَدِ اِنتَظَمَت مِن خَلفِ مِسحَلِها نَظما
عِطاشاً تُريدُ الماءَ فَاِنسابَ نَحوَها
عَلى أَنَّهُ مِنها إِلى دَمِها أَظما
فَأَمهَلَها حَتّى تَرَوَّت عِطاشُها
فَأَرسَلَ فيها مِن كِنانَتِهِ سَهما
فَخَرَّت نَحوصٌ ذاتُ جَحشٍ سَمينَةٌ
قَدِ اِكتَنَزَت لَحماً وَقَد طُبِّقَت شَحما
فَيا بِشرَهُ إِذ جَرَّها نَحوَ قَومِهِ
وَيا بِشرَهُم لَمّا رَأَوا كَلمَها يَدمى
فَباتَوا كِراماً قَد قَضوا حَقَّ ضَيفِهِم
فَلَم يَغرِموا غُرماً وَقَد غَنِموا غُنما
وَباتَ أَبوهُم مِن بَشاشَتِهِ أَباً
لِضَيفِهِمُ وَالأُمُّ مِن بِشرِها أُمّا

 علاقة عنوان القصيدة بمضمونها:
يقف قارئ القصيدة متحيراً، عندما يتراءى له عنوانها الذي ملئت به كتب الأدب، وهو "الكرم"، فيسارع إلى تقليب بصره في أبياتها بيتاً بيتاً، باحثاً عن مؤشرات الكرم الذي قرأه في العنوان ولكنه يستصعب الوصول إليه.
فهذه القصيدة تحمل ملامح الكرم- إن صح التعبير- ولا تحمل الكرم الحقيقي، وهذه الملامح تتصل ببعض المفردات التي ترتبط بمعاني الكرم والضيافة مثل: "ضيفاً- طُعْما- اذبحني- اللحما- حق ضيفهم- غنماً"، ونحوها.
ولذلك، ماذا يمكن أن يسمّى إبقاء عائلةٍ بأكملها تتلوى من شدة الجوع، ولا يتحرك والدها، ليسد رمق أفرادها، ثم إذا هو وقف أمام ضيفٍ غريب، ثارت حفيظته وعرّض نفسه للمخاطر في سبيل توفير أشهى الطعام له، ولو كان على حساب ذبح فلذة كبده؟ هذا بالإضافة إلى مجموعةٍ من الأفكار التي ستؤكد بعدُ مضامين القصيدة عن الكرم الحقيقي، عندما نتناولها في التحليل.
ولكن! مالذي دفع إلى تبنّي الكثيرين عنونة هذه القصيدة بـ(الكرم) على الرغم من وضوح ضآلة هذا الجانب في أحداثها؟ والوصول إلى إجابةٍ لهذا السؤال تتطلب إمعان النظر في أحداث القصيدة، أو القصة، لنرى مدى تأثير مفهوم الكرم فيها، وقد ظهر من خلال التحليل العام لها أن هذا المفهوم كان مؤثراً في أحداثها إلى درجة ٍ كبيرةٍ، جعلت جميع العناصر الفنية في القصّة تتحرك تحت تأثيره، فأخضع الشخوص والمكان والأحداث وصولاً إلى ذروة التأزم ثم الانحدار نحو نهاية القصة أخضع هذا كلّه لمفهوم الكرم الذي يستوجب إكرام الضيف.
ولذلك يمكن اعتبار القصيدة أنها قصيدة للكرم من الناحية الفنية فقط، أي من جانب تحرك عناصر القصة الفنية تحت تأثيرهذا المفهوم، أما من الناحية الفكرية ، أو المضمون، فإن هذه الفنية قد أتت على كثيرٍ من واجبات الرجل تجاه الفئات التي يجب عليه أن يقوم بإعالتها فرضاً لازماً فطرياً، وكان مضمون القصّة يتحرك ضمن أحداث متماسكة مترابطةٍ، تتحدث عن موقفٍ ممن مواقف هذا الرجل في لحظةٍ من لحظات حياته المليئة بالمتاعب والشقاء.
       النوع الأدبي لهذه القصيدة:
لا شك في أن هذه القصيدة تندرج تحت باب القصائد العمودية، التي تتخذ من نظام الشطرين والقافية والوزن الموحدين أساساً لبنائها، وقد جاءت على البحر الطويل.
ولكن الربط بين مضمون القصيدة وبين شكلها الفني يدفع إلى اعتبارها نوعاً من القصة الشعرية- إن صح التعبير- فهي تحتوي على العناصر الفنية التي تشكل القصة الأدبية، من شخوص وزمان ومكان وأحداث وحوار وعقدةٍ وبداية ونهاية ترتبط جميعها بحبكة فنية متماسكة، وهذا النوع من الكتابات له رجاله عبر التاريخ وقد ألفت الدكتورة (عزيزة مريدن) كتاباً بعنوان : "القصة الشعرية في العصر الحديث"، تناولت فيه القصة ومقوماتها الرئيسية، والقصة في الشعر العربي القديم وخصائصها، والاقصوصة في الشعر العربي المعاصر، والأقصوصة التاريخية والأسطورة الركزية والقرآنية، والأقصوصة والقصة الشعرية الطويلة والأقصوصة الموعظة التعليمية والعاطفة الوجدانية والاجتماعية والوطنية والقومية.
        الأفكار الرئيسة:
يمكن تقسيم القصيدة إلى أربعة مشاهد فنية، تمثل الأفكار الرئيسة فيها، وهي كالآتي:
1.  مشهد وصفي (مليء بالأسى) ثابت يقدم بيئة القصة، بما فيها من طبيعة جغرافية واقتصادية وسياسية واجتماعية، وتعلقت برجلٍ له امرأة عجوز وثلاثة أطفال.
2.    مشهد سرديّ حواري (مليء بالقلق) مصغّر يدور بين الرجل وأحد أبنائه، حول إكرام ضيفٍ قادمٍ عليهم.
3.  مشهد حركيّ اندفاعي، (مليء بالحذر) يصور انطلاق الرجل لاستجلاب طعامٍ لإكرام ضيفه، بعد أن لمح مقدم قطيعٍ من الحمر الوحشية من بعيد.
4.    مشهد وصفيّ (مليء بالفرح) يصور عودة الرجل بصيدته وفرح ضيفه وأهله بها.
             العناصر الفنية للقصة:
برزت في هذه القصيدة القصصية العناصر الفنية الآتية:
  1. الشخوص: وكانوا كالآتي:
-   الأب: رجل غليظ الطبع، فاسد الرأي، يحب العزلة الاجتماعية، ولكنه مهتم بعادات مجتمعه، وقد حضر في جميع مشاهد القصة.
-       الأم: عجوز ، تظهر في المشهد الأول عجوزاً، وفي المشهد الأخير أمّاً فرحة.
-   الأبناء: عددهم ثلاثة، نحيلو الأجساد، يتحركون حول أمهم، ولا يظهرون إلا في المشهد الأول، ثم يبرز واحدٌ منهم في المشهد الثاني، فقط.
-   قطيع الحمر الوحشية: تسير خلف فحلٍ يقودها إلى منبع الماء لتشرب وترتوي، بصورة منظمة، وتظهر في المشهد الثالث.
-       الأتان الوحشية: وهي أنثى الحمار الوحشي يصطادها الأب، فيجدها سمينة مليئة اللحم، ويجد عندها جحشٌ صغيرٌ.
-   الضيف: رجل غريب، يظهر في المشهد الثاني، ولا يقدم له الشاعر أي وصف سوى أنه ضيف، ثم يذكر اسمه في المشهد الأخير، دون أن يكون له دور ذاتي.
ويظهر من بروز هذه الشخوص في هذه المشاهد أداءها لأدوار محددة تسهم في إيصال الفكرة وتخدم الحدث الذي تجري معه.

ففي مشهد الوصف الأول نجح الشاعر في تقديم صورة الأسرة بكامل أبعادها النفسية والجسدية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية، وإن كانت هذه الأبعاد تتضح في بعض الشخصيات بشكل متفاوت، إذ تشترك جميع هذه الشخوص بوضوح الجانب الاقتصادي الفقير، ولكنها تعود لتنفرد بوضوح الجانب الفكري والنفسي للأب ويظهر غليظ الطبع بجفائه لبني جنسه، وفاسد الرأي في اختياره الابتعاد بنفسه وبأسرته بعيداً عن مظان مظاهر العيش والحياة، وتأتي الملامح الجسدية لتبرز في شخصية الأبناء، وكأن الشاعر يريد أن يقول إن ما عليه هؤلاء الأبناء إنما هو بسببٍ من فساد رأي هذا الأب وسوء إدارته، أما الأم فقد اكتفى الشاعر بوصفها عجوزاً، وكأنه يؤكد على مفاهيم الجاهلية الي تقصي المرأة عن المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية والاجتماعية فضلاً عن إقصائها عن المساهمة في تغيير واقع أسرتها وأفرادها.

ويمكن قياس هذا التفكير على بقية الشخوص في المشاهد الأخرى، فقد أدى الضيف بحضوره في المشهد الحواري دور المسبب بكامل عناصر القلق الاضطراب التي جرت في نفسية الأب، جعلته يتحرك تحركاً نفسياً مزدوج الاتجاه، تخلخلت معه المفاهيم والأفكار والعقائد التي يؤمن بها هذا الأب، وكان لابد من ظهور أحد الأبناء ليكون عنصراً ضاغطاً على الأب من جانبٍ آخر يقابل حاجة الضيف وحاجة الابن ، ولا دور للضيف بعد هذا الظهور، ولا للابن أيضاً، فما أراده الأب سعى في سبيل تحقيقه، وكانت فائدته عامّة، سعد بها الضيف والأهل، فبقي الضيف ذكرى طيبة رجعت في المشهد الأخرى على شكل مسمى دون حضور جسدي أو دور فعلي، وانخرطت البنوة في ضمير الجماعة أباً وأماً.
وأما ظهور قطيع الأتن الوحشية ويتقدمها الفحل في المشهد الثالث، فهو نقطة التحول في مسار الأحداث، أو بداية نقطة التحول، وصولاً إلى سقوط الأنثى السمينة، وإلى جوارها الجحش الصغير، ولعلها لحظة وقف عندها الأب متأملاً حاله بوصفه مسؤولاً عن جماعة، وحال قائد القطيع المسؤول أيضاً، وحال زوجه العجوز وحال هذه الأنثى الساقطة قتيلة، وحال ابنه الذي كان أن يقدمه للضيف وحال هذا الجحش الصغير، ولك أن تتخيل، بم فكر الأب؟

دائرة المكان:
دارت أحداث القصة بتسلسل مكاني يظهر كالآتي:
-       التيهاء: الصحراء
-       الشعب: الشق بين جبلين
-   المنزل: وهو المكان الذي دار فيه الحوار بين الأب وابنه، والشاعر لم يشر من قريبٍ أو بعيد إلى هذا المفهوم، سوى في المشهد الأخير، بقوله: "فباتوا"، والبيات لا يكون إلا في منزلٍ ما، ولا شك أن هذا التجاهل له دلالته في تصوير طبيعة الحياة في ذلك الوقت.
-    نبع الماء: وهو المكان الذي سعى قطيع الحمر الوحشية إلى الوصول إليه، للحصول على ما يبقيها على قيد الحياة، فترتوي وترتاح.
-   المنزل: مرةً أخرى، ولكنه الآن يظهر بصورةٍ كلها حياة وفرح وسكينة وأمان، بعد أن تحقق لهذه الأسرة ما تتمناه من قوت يومها.
وبعقد مقارنة بسيطة بين اختيار رجل الإسرة لمكان إقامة أسرته واختيار فحل الحمر الوحشية لقطيعه، يظهر ذلك الاختلاف بين الاثنين وإن كانت المقارنة بين إنسان يعتقد أنه عاقل، وبين حيوان يسير وفق غريزته الحيوانية، إلا أن الأخير قد كان أكثر اهتماماً بمن يسيرون خلفه من هذا الرجل الذي أبعد أسرته عن مظانّ العيش الكريم في تلك الصحراء القاحلة.
دائرة الزمان:
يمكن تتبع الألفاظ التي تحمل الدلالة على الزمان في هذه القصة وفق ظهورها على النحو الآتي:
 ليالٍ ثلاث
  خلقوا ظلماتٍ ثلاث
   شبحاً
  الظلام
    فباتوا
    وبات
ويظهر من ذلك أن جميع أحداث القصة قد جرت في جزء الزمان المظلم، ولا إشارة من قريبٍ أو بعيد إلى النور أو الضياء، ومن أين يأتي النور في ظل وجود هذا العقل الفاسد الذي اضطربت عنده المفاهيم، واختلت عنده الموازين؟ وفي ثلاثية ليالي المبيت على الطوى، مفهوم الخلق، الذي يعرف عن الإنسان أنه يعيش في بطن أمه في ظلماتٍ ثلاث، ربما يقابل الشاعر بين جوعه وجوع أبنائه ليشير أن معدة الطفل لا تحتوي على شيء في هذه المرحلة من الخلق، ليبالغ في تصوير الجوع الذي هو عليه، وعليه أبناؤه.
سرد الأحداث:
سأتثني من الأحداث جميع عبارات الوصف وأكتفي بسرد الأفعال، أو المجريات ، وقد جاءت على النحو الآتي:
-       مبيت الأب على الجوع لثلاث ليالٍ.
-       عزل أسرته في شعب بعيدٍ عن المجتمع.
-       رؤية الشخص الغريب والخوف منه، ثم التأكد من شخصيته.
-       التوجّه إلى الله بالدعاء وطلب الفرج بإكرام الضيف.
-       مبادرة الابن بالتضحية بنفسه من أجل سمعة والده.
-       بروز قطيع الاتن الوحشية من بعيد.
-       تحرّك الأب إلى القطيع بحذر خشية هروبها.
-       إمهال الاب للقطيع بالشرب والراحة.
-       اصطياد إحدى الأتن الوحشية السمينة.
-       جرّ الأب للفريسة نحو قومه، وهو مستبشر.
-       رؤية دماء الفريسة تسيل من جرحها، والقوم مستبشرون.
-       قضاء حق الضيف.
-       حلول السكينة على القوم.
-       استشعار الأب والأم لمعاني أبوتهم وأمومتهم، وسعادتهم بما حصل.
هذه هي الأحداث التي أراها في القصيدة، وقد تزيد واحدة أو اثنتين، أو تنقص، ولكن هذه هي أهم المجريات بالتسلسل، ولا شك في أن سيرها في أبيات القصيدة يستدعي هذا الترتيب، وإن كان حدث الدعاء إلى الله قد تأخر إلى ما بعد مبادرة الابن في بعض المراجع، إلا أن هذا التريب يبقى ذا أهمية من ناحيتين:
الأولى: أن هذه أحداث قصة يفرض سيرها بهذه الطريقة السردية المزاوجة للوصف بأن تبنى القصيدة بطريقة تمنحها الوحدة العضوية التي ترفض أن يبدل بيتٌ تقديماً أو تأخيراً أو حذفاً؛ لأن ذلك سيؤثر على المعنى بحيث يجعله ناقصاً أو مختلاً، ولاشك في أن شخصية الشاعر لم تتدخل كثيراً في ترتيب أحداث القصة، بل اكتفت بنقل وقائعها كما وقت وفق التتابع المنطقي لها، فلم تحدث قفزات كثيرة بين الأحداث بمعنى: التقدم أو التراجع على سبيل الاستباق أو التراجع، وهنا توافق زمن السرد مع زمن القصة، ويمكن أن أعد هذا التوافق دليلاً على أن شخصية الأب النموذجية في القصة إنما هي شخصية هذا الشاعر نفسه، لدرجة أنه لم يكن يعنى بأي تقنية استباقية أو تراجعية في النظم للتفنن في عرض قصيدته، فهو يعبر عن ذاته، وعن خلجات نفسه الفكرية، التي كان يظن معها أنه يقدم نفسه على أنه من كرماء العرب، الذين يضحون بالغالي والنفيس لإيجاد مكانةٍ اجتماعية لأنفسهم بين الناس، ومرة أخرى تتأكد ظلامية الأحداث وتزامنها مع ظلامية نفس هذا الأب، ولا يتعارض هذا ما اعتبار أن هذه الشخصية التي يتحدث عنها الشاعر إنما هي نموذج يكثر وجوده في الحياة، ولذلك تجده قد بدأ قصيدته بقوله: (وطاوي ثلاثٍ) وهذا يشير إلى أنه يمكن أن يتحدث عن نموذج له عدة أمثلة واقعية الوجود.
الثانية: الناحية الموضوعية، فقد كانت هذه الأحداث وصفاً لما جرى في الواقع، وكان لكل منها سببه ودافعه، بل إن بعضها كان بسبب من بعضها الآخر، وهذا هو المفهوم العام للحبكة، الذي نادى به كثير من النقاد، فهي: سلسلة الحوادث التي تجري في القصة وتكون مرتبطة عادةً برابط السببية، كما عرفها محمد يوسف نجم، في كتابه فن القصة.
وبذلك جمعت هذه القصيدة بين جانبي الوحدة:
العضوية والموضوعيّة، وهذا من الأمور الطبيعية التي ينبغي أن تكون عليها القصيدة القصصية، وبذلك تعد هذه القصيدة التي هي جاهلية، أو إسلامية (لا يتوفر لدي تأريخ محدد لنظمها) متميزة عن القصيدة الجاهلية القديمة التي كانت تكتفي بالوحدة الموضوعية، دون العضوية، وهذا هو ديدن الشعر القصصي في كل زمان.

عقدة القصة:
يمكن تحديد عقدة القصة من خلال تتبع اللحظات التي بدأت عندها الأحداث بالتأزم وصولاً إلى الذروة ثم الانحدار نحو النهاية، وهي كالآتي:
-       بداية التأزم: لحظة رؤية الشبح
-       تأزم آخر: التأكد من شخصية القادم من بعيد.
-       تأزم آخر: مبادرة الابن بالتضحية
-       تأزم آخر: ظهور قطيع الأتن.
-       تأزم آخر: لحظة انتظار القطيع أثناء الشرب
-       الذروة: لحظة اصطياد النحوص
-       انحدار الأحداث: بعد ذلك……إذ انعكست مسيرتها مغايرة ما كانت عليه من قبل، فصارت كالآتي:
1.    من الأسى والفقر إلى الغنى والشبع
2.    من القلق والاضطراب إلى الراحة والسكينة
3.    من الحذر والخوف إلى الأمن والأمان
4.    من الانفصام النفسي إلى الاجتماع النفسي والوحدة الشعورية
ويمكن ملاحظة أن كل تأزم يعني مستوى أعلى من الذي قبله، بحيث تظهر على صورة هرم وتكون المسافة بين كل لحظة تأزم وأخرى هي لحظة يستمر فيها مستوى أزمة الحدث السابق.

 البداية والنهاية:

بدأت القصة بالوصف وانتهت بالوصف، ولكن شتان ما بين الحالين، فقد تقلب الحال، وتحقق المحال، وفي القصة من العظات والعبر ما تدعو إلى ضرورة البحث عن الأفضل  والسعي في سبيل التغيير.
وثمة ملحظ آخر، وهو تنكير الأب وتخصيصه بنعت ( أباً لضيفهم) وتنكير الأم دون تخصيص (والأم… أما)، وكان في ذلك إشارة إلى أن الأب قد مارس دور الأبوة للضيف فقط، والأم كانت تبعث بحنانها إلى عالم مفتوحٍ، وإن كانت الأم مصدر حنان عام، فهذا يمكن أن يقبل، مع شيءٍ من التحفظ، أما أن يقوم الأب بواجب الأبوة مع غير أبنائه فقط، فهذا مدعاة إلى التعجب!!!
ولكن!
حقاً كانت النهاية سعيدة، ولكنها بقيت مفتوحة، فهناك مجموعة من الأسئلة تفرض نفسها:
1.    لماذ تحرك الأب لخدمة الضيف ولم يتحرك لأسرته؟
2.    أين المجتمع ومحاكمته لهذه العقلية الفاسدة، التي تهتم بسمعتها على حساب من تعول؟
3.  لماذا يكون الاهتمام بالمعايير الاجتماعية التي تكلف المرء فوق طاقته، دون إقامة أي اعتبار لوضعه الاقتصادي والاجتماعي؟

وبعد،،،
تبقى القصيدة عيناً من عيون الأدب العربي، وميداناً واسعاً للقراءة النقدية الهادفة، وأرجو أن أكون قد وفقت في تقديم قراءة موضوعية صحيحة المنهج

والحمد لله رب العالمين

مع إشراقة شمس كل يوم

مع إشراقة شمس كل يوم تتجدد للحياة صورتها، وتتعدد للمعرفة مشاربها، وتتنامى للبشرية ثقافتها، وفي خضمّ هذه السّعة الحضاريّة تبقى الحضار...